من أجل ميثاق حوار اجتماعي مسؤول
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>
من أجل ميثاق حوار اجتماعي مسؤول
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 جانفي 2018

قد يكون الأمر حدث على سبيل المصادفة، لكنها مصادفة حسنة أن ينتظم مؤتمر الأعراف ولم يتمّ تنظيف الشوارع بعدُ من اثار الاحتجاجات الاجتماعية.
ولا بدّ أن صور الحرق والتخريب التي طالت بعض الممتلكات العمومية والخاصة لا تزال عالقة في أذهان أرباب الأعمال بقدر ما كانت راسخة في عقل يوسف الشاهد الذي كان حضوره وبالأخص خطابه بمثابة استدراك للعودة إلى الأصل، أي ذلك التوازن الاقتصادي الاجتماعي السياسي الذي ميّز مسيرة البلاد الإنمائية منذ سبعينيّات القرن الماضي والمعتمد على قوتي النقابة والأعراف اللتين تحكم بينهما الحكومة.
وإن القارئ المتأنّي للقرارات التي أعلنها رئيس الحكومة لفائدة المؤسّسة الاقتصادية يدرك أن فيه أكثر من دعوة لاستعادة التوازن في المشهد الوطني بين الأطراف الاجتماعيين، وإنما هو إقرار بحاجتنا اليوم إلى تغيير شامل في التفكير وثورة في العقليات يتوقف على نجاحها مستقبل ثورة الحرية والكرامة برمتها.
وحتى نعي قيمة هذا التغيير المطلوب لا بدّ لنا أن نقرّ بهذه الحقائق التي أصبحت من باب المسلمات في أكثر البلدان تطوّرا في العالم.
أول هذه الحقائق أن زمن الدولة الراعية كما عرفناها منذ ستينيات القرن الماضي (L›Etat Providence) قد ولى وأن السّلط العامة لم تعد قادرة لوحدها على تلبية الحاجيات الكبرى مثل تخفيف حدّة الفقر وتحسين الصحّة وتجويد التعليم وغير ذلك من ضروريات حماية مواطنيها من تقلّبات الحياة والكوارث الطبيعية.
ونهاية زمن الدولة الراعية لا يعني، كما قد يذهب إلى ذلك الظن، تفكيك مؤسسات الدولة التي تقدّم الرعاية الاجتماعية، وإنما، وكما يقول العالم السويدي غونار ميردال، «يجب التحرّك إلى ما يتجاوز نطاق الدولة الراعية» نحو تشريك المواطن والمؤسّسة.
أما ثاني هذه الحقائق فهي أن البلدان الناجحة في العالم هي البلدان التي يمارس فيها حوار اجتماعي حامل لديناميات إيجابية لصالح المؤسّسة والعمال في ذات الوقت معا.
يجب أن نعلنها واضحة وصريحة: لقد انتهى عهد المواجهات والمجابهات والمصادمات وحلّ وقت الحوار الضامن الوحيد لايجاد نقطة التوازن بين الطلبات المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والمالية، والكفيل وحده بتحقيق معادلة فائز ـ فائز (gagnant - gagnant).
الحوار ليس كما قد يبدو أحيانا للبعض دليلا على الضعف والتنازل، بل على العكس، هو تعبير عن التطوّر والحداثة والفهم الصحيح لحركة الكون المستقبلية.
غير أنه، وحتى يكون هذا الحوار جديا وذا جدوى فلا بدّ أن يكون مبنيا على الثقة المتبادلة بين كل الأطراف الاجتماعييين. كما أنه يجب أن تتحلى به وتمارسه هياكل ذات صفة تمثيلية شاملة وهو ما يفترض بالخصوص وجود نقابات قوية وشرعية قادرة على تجاوز الدور الاحتجاجي في ممارستها النضالية أو اللجوء المباشر لسلاح الاضراب، لأنه متى اقتصرنا على ذلك وعلى التشبث بعلاقة الصدام بين النقابة والمؤسسة فإننا سائرون لامحالة بالبلاد إلى الانتحار.
لا خيار لنا اليوم غير القبول بالحوار الاجتماعي مبدأ وممارسة وربطه بالأداء الاقتصادي. بل إن مستوى هذا الحوار هو المحدّد اليوم، مثل ما هو الشأن في عديد البلدان الناجحة مثل ألمانيا وهولندا وغيرهما، لنوعية انتاج وانتاجية الأُجراء، وتحسين أجورهم، وتطوير نمو وأداء المؤسسات. والحوار هو في كل البلدان المهيمنة اقتصاديا محرّك هائل وناجع للمنافسة الاقتصادية، لذلك ترى تلك البلدان تحرص على التكوين النقابي بقدر اهتمامها بتشريك النقابيين في التفكير حول خطط تطوير المؤسسات.
اليوم وبعد أن باح أول أمس مؤتمر الأعراف بأسراره، تكون جميع المتطلبات قد استوفيت والظروف تهيأت لتجديد الحوار الاجتماعي على أساس ميثاق مسؤولية مشتركة (pacte de reponsabilité) بين اتحاد الأعراف واتحاد الشغل ترعاها الحكومة وتكون منطلقا لبدء بناء اقتصاد وطني تنافسي يضمن التشغيل والقيمة المضافة والمحافظة على البيئة.
إنه تحدّ جديد لا بدّ من كسبه.

عبد الجليل المسعودي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>
معركة يجب كسبها
20 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مرّة أخرى تبرز واضحة جلية للعيان صعوبة الوضع الذي تردت فيه بلادنا بسبب مستوى نخبتها السياسية التي لم تعد...
المزيد >>
ضربة لأطماع أردوغان... والأمريكان !
19 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تدخل الأزمة التي فجرتها تركيا بتدخلها العسكري في الشمال السوري منعرجا حاسما بعد توصل الدولة السورية و«قوات...
المزيد >>
فرصة أخرى ضائعة أمام الدساترة
18 فيفري 2018 السّاعة 21:00
ستستكمل الانتخابات البلديّة التي انطلقت مجرياتها هذه الأيام بفتح باب الترشّحات خطوة مهمّة في مسار الانتقال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
من أجل ميثاق حوار اجتماعي مسؤول
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 جانفي 2018

قد يكون الأمر حدث على سبيل المصادفة، لكنها مصادفة حسنة أن ينتظم مؤتمر الأعراف ولم يتمّ تنظيف الشوارع بعدُ من اثار الاحتجاجات الاجتماعية.
ولا بدّ أن صور الحرق والتخريب التي طالت بعض الممتلكات العمومية والخاصة لا تزال عالقة في أذهان أرباب الأعمال بقدر ما كانت راسخة في عقل يوسف الشاهد الذي كان حضوره وبالأخص خطابه بمثابة استدراك للعودة إلى الأصل، أي ذلك التوازن الاقتصادي الاجتماعي السياسي الذي ميّز مسيرة البلاد الإنمائية منذ سبعينيّات القرن الماضي والمعتمد على قوتي النقابة والأعراف اللتين تحكم بينهما الحكومة.
وإن القارئ المتأنّي للقرارات التي أعلنها رئيس الحكومة لفائدة المؤسّسة الاقتصادية يدرك أن فيه أكثر من دعوة لاستعادة التوازن في المشهد الوطني بين الأطراف الاجتماعيين، وإنما هو إقرار بحاجتنا اليوم إلى تغيير شامل في التفكير وثورة في العقليات يتوقف على نجاحها مستقبل ثورة الحرية والكرامة برمتها.
وحتى نعي قيمة هذا التغيير المطلوب لا بدّ لنا أن نقرّ بهذه الحقائق التي أصبحت من باب المسلمات في أكثر البلدان تطوّرا في العالم.
أول هذه الحقائق أن زمن الدولة الراعية كما عرفناها منذ ستينيات القرن الماضي (L›Etat Providence) قد ولى وأن السّلط العامة لم تعد قادرة لوحدها على تلبية الحاجيات الكبرى مثل تخفيف حدّة الفقر وتحسين الصحّة وتجويد التعليم وغير ذلك من ضروريات حماية مواطنيها من تقلّبات الحياة والكوارث الطبيعية.
ونهاية زمن الدولة الراعية لا يعني، كما قد يذهب إلى ذلك الظن، تفكيك مؤسسات الدولة التي تقدّم الرعاية الاجتماعية، وإنما، وكما يقول العالم السويدي غونار ميردال، «يجب التحرّك إلى ما يتجاوز نطاق الدولة الراعية» نحو تشريك المواطن والمؤسّسة.
أما ثاني هذه الحقائق فهي أن البلدان الناجحة في العالم هي البلدان التي يمارس فيها حوار اجتماعي حامل لديناميات إيجابية لصالح المؤسّسة والعمال في ذات الوقت معا.
يجب أن نعلنها واضحة وصريحة: لقد انتهى عهد المواجهات والمجابهات والمصادمات وحلّ وقت الحوار الضامن الوحيد لايجاد نقطة التوازن بين الطلبات المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والمالية، والكفيل وحده بتحقيق معادلة فائز ـ فائز (gagnant - gagnant).
الحوار ليس كما قد يبدو أحيانا للبعض دليلا على الضعف والتنازل، بل على العكس، هو تعبير عن التطوّر والحداثة والفهم الصحيح لحركة الكون المستقبلية.
غير أنه، وحتى يكون هذا الحوار جديا وذا جدوى فلا بدّ أن يكون مبنيا على الثقة المتبادلة بين كل الأطراف الاجتماعييين. كما أنه يجب أن تتحلى به وتمارسه هياكل ذات صفة تمثيلية شاملة وهو ما يفترض بالخصوص وجود نقابات قوية وشرعية قادرة على تجاوز الدور الاحتجاجي في ممارستها النضالية أو اللجوء المباشر لسلاح الاضراب، لأنه متى اقتصرنا على ذلك وعلى التشبث بعلاقة الصدام بين النقابة والمؤسسة فإننا سائرون لامحالة بالبلاد إلى الانتحار.
لا خيار لنا اليوم غير القبول بالحوار الاجتماعي مبدأ وممارسة وربطه بالأداء الاقتصادي. بل إن مستوى هذا الحوار هو المحدّد اليوم، مثل ما هو الشأن في عديد البلدان الناجحة مثل ألمانيا وهولندا وغيرهما، لنوعية انتاج وانتاجية الأُجراء، وتحسين أجورهم، وتطوير نمو وأداء المؤسسات. والحوار هو في كل البلدان المهيمنة اقتصاديا محرّك هائل وناجع للمنافسة الاقتصادية، لذلك ترى تلك البلدان تحرص على التكوين النقابي بقدر اهتمامها بتشريك النقابيين في التفكير حول خطط تطوير المؤسسات.
اليوم وبعد أن باح أول أمس مؤتمر الأعراف بأسراره، تكون جميع المتطلبات قد استوفيت والظروف تهيأت لتجديد الحوار الاجتماعي على أساس ميثاق مسؤولية مشتركة (pacte de reponsabilité) بين اتحاد الأعراف واتحاد الشغل ترعاها الحكومة وتكون منطلقا لبدء بناء اقتصاد وطني تنافسي يضمن التشغيل والقيمة المضافة والمحافظة على البيئة.
إنه تحدّ جديد لا بدّ من كسبه.

عبد الجليل المسعودي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>
معركة يجب كسبها
20 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مرّة أخرى تبرز واضحة جلية للعيان صعوبة الوضع الذي تردت فيه بلادنا بسبب مستوى نخبتها السياسية التي لم تعد...
المزيد >>
ضربة لأطماع أردوغان... والأمريكان !
19 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تدخل الأزمة التي فجرتها تركيا بتدخلها العسكري في الشمال السوري منعرجا حاسما بعد توصل الدولة السورية و«قوات...
المزيد >>
فرصة أخرى ضائعة أمام الدساترة
18 فيفري 2018 السّاعة 21:00
ستستكمل الانتخابات البلديّة التي انطلقت مجرياتها هذه الأيام بفتح باب الترشّحات خطوة مهمّة في مسار الانتقال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>