مقدمات للمطر:حكومة الوحدة الوطنية والوفاء للتلازم الثقافي والاجتماعي!
خالد الحدّاد
هوس مرضي برئاسية 2019
لا تنفكّ مستجدّات الساحة الوطنيّة، من أحداث ومواقف وتصريحات، تكشفُ عن هوس يكاد يكون مرضيا لدى نُخبتنا بالانتخابات الرئاسيّة، إذ على الرغم من أنّ موعدها تفصلنا عنه قرابة العامين...
المزيد >>
مقدمات للمطر:حكومة الوحدة الوطنية والوفاء للتلازم الثقافي والاجتماعي!
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 ديسمبر 2017

التنمية الثقافية، كما عرفتها "خطة العمل حول السياسات الثقافية للتنمية" التي أقرتها دول العالم في المؤتمر الدولي حول السياسات الثقافية من أجل التنمية الذي عقدته منظمة اليونسكو بستوكهولم عام 1998 وشاركت فيه ست عشرة دولة عربية على المستوى الوزاري، واستندت إلى تقرير بعنوان "تنوعنا البشري الخلاق" أعدته مجموعة من الخبراء برئاسة "خفير ديكولار، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة هي عملية توسيع مجال الخيارات أمام الناس، وهو مفهوم يقيس التنمية لمدى تنوع واسع من الإمكانات المتاحة أمام الناس تتراوح بين الحريات السياسية والإقتصادية والإجتماعية إلى الفرص المتاحة أمام الفرد ليتمتع بالصحة والتعليم والثقافة ويكون منتجا وخلاقا وينعم بالكرامة وحقوق الإنسان وليس الهدف النهائي للتنمية سوى تحقيق الخير المادي والذهني والإجتماعي لكل الناس.
تقرير "يكولار" يفرد أهمية خاصة للعنصر الثقافي في مفهوم التنمية كما يؤكد على أن الحرية الثقافية أمر حيوي للكرامة الإنسانية ويضيف التقرير بأن الحرية الثقافية هي ضمان للحرية بما هي كل متكامل، فهي تتجاوز حماية الجماعة إلى حماية حق كل فرد من أفرادها والحرية الثقافية بحمايتها لمناهج الآخرين في الحياة تشجع على التجريب والتنوع والخيال والإبداع وقد خلص التقرير إلى نتيجة مهمة وهي أن "التنمية الحقيقية ليست تلك التي تسعى إلى ردم الهوة وتجاوزها بين الدول الفقيرة والدول الغنية فحسب، بل تلك التي تظهر أن التقاليد الخاصة بكل ثقافة من الثقافات، يمكن أن تدمج بالموارد الإقتصادية والعلمية والتكنولوجية الحديثة فيكون للشعوب حقها في رسم تصوراتها الخاصة للإبداع وتجلياته وكذلك للحداثة المرتبطة بتراثها وتقاليدها فلا نملي عليها أنماط الحداثة الغربية ولا تفرض مبادئها الغريبة عنها باسم الحداثة".
هذا المدخل التنظيري لهذه المقدمات حول استحالة تحقيق تنمية مستدامة بغياب العنصر الثقافي يوصلنا إلى أننا- اليوم في تونس- نعيش تحولا إجتماعيا خطيرا تواجه فيه الدولة بمفهومها الشامل والمجتمع بكل شرائحه نخبا وإفرادا تحديات مصيريه ولعل أول شروط الإستجابة لهذه التحديات أن نتكاتف جميعا متكافلين ومتعاضدين من أجل استجابة جماعية في حجم التحديات التي تواجهنا وتلك هي بالضبط "المسؤولية التاريخية والأخلاقية والوطنية التي تضمن لنا تجاوز مجمل التحديات التي تواجهنا".
الفعل الثقافي إذن هو تحول إجتماعي وحضاري شامل والثقافة في معناها الإنتربولوجية هي بيئية إجتماعية بكل تمثلاتها ورموزها وتجليات الإبداعية وهي طوق نجاتنا من هجمة هذه التحديات المتنوعة.
تاريخيا لقد انطلقت التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع دولة الاستقلال باحترام إلزامية الثقافي والإجتماعي، وقد إنطلق الآباء المؤسسون للمشروع المجتمعي التونسي الجديد من اعتبار البعد الثقافي هو حجر الزاوية في إنجاح التغيير الإجتماعي الذي ينبثق أساسا من ضرورة تغيير العقول والذهنيات ويذكر "د.علي بن العربي" في كتابه "سياسات الثقافي" التي نريد ما يفيد بأن تصورات السياسة الثقافية بعد الإستقلال بالنسبة لأول رئيس حكومة تونسية تكونت إثر الإستقلال الداخلي سنة 1955 "الزعيم الحبيب بورقيبة" تتمثل في تأسيسه الدولة التونسية الفتية وبسط نفوذها السياسي على كامل تراب البلاد بإعلان الإستقلال التام في مارس 1956 من خلال إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 ليصبح الزعيم بورقيبة أول رئيس للجمهورية...وبالرغم من ازدحام الأولويات للدولة الفتية أمنيا وعسكريا وإداريا وإقتصاديا، بالرغم من كل ذلك كان هم بورقيبة تربويا وثقافيا وكان القانون عدد 58 الصادر في 1 أكتوبر والمنظم للتعليم محققا لأحد المكاسب الملحة للدولة الفتية ثم جاءت بعد ذلك مباشرة القرارات الخمسة التي تسند إحداث وزارة المعارف والإنطلاق في الإصلاح التربوي وأول هذه القرارات برنامج رفع الأمية وتعليم الكبار (سنة 1958) وإحداث الشركة الوطنية للإنماء السينمائي وبعث المعهد الوطني للآثار والفنون وقيام النخبة الثقافية القومية والبدء في تشييد شبكة دور الشعب وأخيرا إنشاء الشركة القومية للنشر والتوزيع والتي ستعوضها في 1964 الشركة التونسية للتوزيع وتتفرع عنها في 1966 الدار التونسية للنشر وكان قد سبقها أحداث الديوان البيداغوجي سنة 1958 ومن المعلوم تاريخيا بأن الزعيم بورقيبة كان يعتني في خطاباته بالمسألة الثقافية وكان أولها خطاب 7 نوفمبر 1962 الذي خصصه للمسرح والذي أصبح من ذلك التاريخ فرصة لدعوة المسرحيين لقصر قرطاج لتكريمهم ويعتبر هذا الحدث من المواعيد التي إنطلق منها أسبوع المسرح وتقديم تظاهرات مسرحية في كامل أنحاء الجمهورية كما كان ذلك منطلقا للمسرح المدرسي ومع قيام الجامعة التونسية قام معها المسرح الجامعي الذي كان الأرضية الخصبة التي أنبتت مسرحيين روادا للمسرح التونسي وفي شهادة تاريخية هامة يذكر الأستاذ الشاذلي القليبي أول كاتب دولة للثقافة في دولة الاستقلال: "..بأن الرئيس بورقيبة، قد كان مترددا في إنشاء وزارة تعنى بالثقافة، لاشتهار الدول الشيوعية بهذا الإختصاص الوزاري، وكان يتحاشى الإقتداء بها لإيمانه بأن الثقافة بدون حرية الإبداع، لا خير فيها لأهلها، ولا للبلاد عامة...ثم طرأ في تنظيمات الحكومة الفرنسية ما أقنع الرئيس أن الممارسات الشيوعية في أعمال هذه الوزارة يمكن تفادي سلبياتها بفتح أبواب الحرية والسعي لنشر الحركة الفكرية وكان من حظ هذه الوزارة الناشئة أن اجتمع في رحابها ومن حولها ثلة من أهل الفكر ومن أصحاب الإختصاصات الفنية الأفذاذ" ( ليدرز العربية 24).
ويذكر الأستاذ "الشاذلي القليبي" بأن اللجنة الثقافية القومية كانت وظيفتها التنسيق بين اللجان الجهوية ومتابعة كل ما يتعلق بالشؤون الثقافية في الجهات انصهارا لمختلف الأنشطة، وتفاعلها في تركيز الإهتمامات الثقافية، وإثارة الإجتهادات الفكرية والفنية، حيث بدأت تظهر ملامح ثقافة تونسية جديدة:"عريقة في عروبتها، متأصلة في إنتمائها الوطني، متفتحة على المنازع الإنسانية، آخذة بسبل التطور والنمو".
مع إخراج الحركة الثقافية من الإنحصار في العاصمة.وجعلها تشع من سائر المدن، شاملة لوجوه من الفنون لم تكن من قبل تعتبر من الثقافة.
ومن التفاصيل التي ذكرها الأستاذ الشاذلي القليبي عن هذه المرحلة أن الرئيس بورقيبة كان أول من أطلق على "الشعر الملحون" "الشعر الشعبي" وفي ذلك أكثر من دلالة أهمها تجذير الثقافة في بيئتها الإجتماعية. وجعل التجليات الإجتماعية مادة للإبداع والحلم.
تلك هي إذن منطلقات التأسيس الثقافي للدولة التونسية مع قيامها دولة فتية لشعب خارج لتوه من سجون الإستعمار وإكراهات الجهل والفقر والعبودية.
كان إنطلاق المشروع المجتمعي الحديث ملتحما مع الفعل الثقافي وبرغم التحولات التي شهدها المجتمع التونسي مدا وجزرا والتي تحولت خلالها من دولة الثقافة إلى ثقافة الدولة أحيانا فإننا نشهد اليوم عودة للخيار التأسيسي الأول لإيلاء الثقافة دورها الفاعل في منظومة التنمية والتغيير الإجتماعي ويتجلى هذا الخيار فيما تعمل على تنفيذه حكومة الوحدة الوطنية من خلال السياسة الثقافية الحالية التي نراها تشع في االمركز وتسعى للإشعاع في الداخل من خلال الفعاليات والتظاهرات والمهرجانات في مختلف أنحاء البلاد التي تعمل على تنفيذها وزارة الشؤون الثقافية، ولقد تأكد هذا الخيار بما بادرت به وزارة الشؤون الإجتماعية من خلال إستراتيجيتها لثقافة المؤسسة والمدن العمالية وآخر تجلياتها "المهرجان الثقافي" بالحوض المنجمي والندوة الوطنية لثقافة العمل على اعتبار "أن العمل إذا كان في المجتمعات القديمة قدر الفقراء بل عقابا كما هو في بعض الأديان فقد صار في العصر الحديث، خاصة بعد الثورات الصناعية معيار المقام الإجتماعي ومصدر ثروات الأمم وعظمتها مثلما يقول "آدم سميث" وبذلك يتلازم الفعل الثقافي مع الإجتماعي بتعاون الوزارتين والمجتمع المدني، وللحديث بقية وكل عام وقراؤنا الأعزاء بخير!

يكتبها: د.محمد أحمد القابسي
وخزة
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
في حين تفرّط سلطاتنا المسؤولة في كفاءاتنا العلمية والطبية لتحطّ الرحال خارج أرض الوطن ويستفيد منها غيرنا...
المزيد >>
حدث وحديث:حمادي الجبالي يسبق الانطلاق
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
أعلن حمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام السّابق لحركة النّهضة اعتزامه تقديم نفسه للانتخابات...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الحوت الأزرق
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
الى من يباركون ربيعهم العربي القُح والعبري الأصيل ويتفاخرون بسلامة تونس من دماره الشامل في البلدان العربية...
المزيد >>
من زيف منطق «الأزمــة» إلى صحـة الوعي السيـاسي
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
كيف يمكن اليوم توصيف وجع التونسي؟ ليس هو الحسرة لأن التونسي على يقين أخلاقي من أن يومه –على مرارته- أفضل من...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مقدمات للمطر:حكومة الوحدة الوطنية والوفاء للتلازم الثقافي والاجتماعي!
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 ديسمبر 2017

التنمية الثقافية، كما عرفتها "خطة العمل حول السياسات الثقافية للتنمية" التي أقرتها دول العالم في المؤتمر الدولي حول السياسات الثقافية من أجل التنمية الذي عقدته منظمة اليونسكو بستوكهولم عام 1998 وشاركت فيه ست عشرة دولة عربية على المستوى الوزاري، واستندت إلى تقرير بعنوان "تنوعنا البشري الخلاق" أعدته مجموعة من الخبراء برئاسة "خفير ديكولار، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة هي عملية توسيع مجال الخيارات أمام الناس، وهو مفهوم يقيس التنمية لمدى تنوع واسع من الإمكانات المتاحة أمام الناس تتراوح بين الحريات السياسية والإقتصادية والإجتماعية إلى الفرص المتاحة أمام الفرد ليتمتع بالصحة والتعليم والثقافة ويكون منتجا وخلاقا وينعم بالكرامة وحقوق الإنسان وليس الهدف النهائي للتنمية سوى تحقيق الخير المادي والذهني والإجتماعي لكل الناس.
تقرير "يكولار" يفرد أهمية خاصة للعنصر الثقافي في مفهوم التنمية كما يؤكد على أن الحرية الثقافية أمر حيوي للكرامة الإنسانية ويضيف التقرير بأن الحرية الثقافية هي ضمان للحرية بما هي كل متكامل، فهي تتجاوز حماية الجماعة إلى حماية حق كل فرد من أفرادها والحرية الثقافية بحمايتها لمناهج الآخرين في الحياة تشجع على التجريب والتنوع والخيال والإبداع وقد خلص التقرير إلى نتيجة مهمة وهي أن "التنمية الحقيقية ليست تلك التي تسعى إلى ردم الهوة وتجاوزها بين الدول الفقيرة والدول الغنية فحسب، بل تلك التي تظهر أن التقاليد الخاصة بكل ثقافة من الثقافات، يمكن أن تدمج بالموارد الإقتصادية والعلمية والتكنولوجية الحديثة فيكون للشعوب حقها في رسم تصوراتها الخاصة للإبداع وتجلياته وكذلك للحداثة المرتبطة بتراثها وتقاليدها فلا نملي عليها أنماط الحداثة الغربية ولا تفرض مبادئها الغريبة عنها باسم الحداثة".
هذا المدخل التنظيري لهذه المقدمات حول استحالة تحقيق تنمية مستدامة بغياب العنصر الثقافي يوصلنا إلى أننا- اليوم في تونس- نعيش تحولا إجتماعيا خطيرا تواجه فيه الدولة بمفهومها الشامل والمجتمع بكل شرائحه نخبا وإفرادا تحديات مصيريه ولعل أول شروط الإستجابة لهذه التحديات أن نتكاتف جميعا متكافلين ومتعاضدين من أجل استجابة جماعية في حجم التحديات التي تواجهنا وتلك هي بالضبط "المسؤولية التاريخية والأخلاقية والوطنية التي تضمن لنا تجاوز مجمل التحديات التي تواجهنا".
الفعل الثقافي إذن هو تحول إجتماعي وحضاري شامل والثقافة في معناها الإنتربولوجية هي بيئية إجتماعية بكل تمثلاتها ورموزها وتجليات الإبداعية وهي طوق نجاتنا من هجمة هذه التحديات المتنوعة.
تاريخيا لقد انطلقت التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع دولة الاستقلال باحترام إلزامية الثقافي والإجتماعي، وقد إنطلق الآباء المؤسسون للمشروع المجتمعي التونسي الجديد من اعتبار البعد الثقافي هو حجر الزاوية في إنجاح التغيير الإجتماعي الذي ينبثق أساسا من ضرورة تغيير العقول والذهنيات ويذكر "د.علي بن العربي" في كتابه "سياسات الثقافي" التي نريد ما يفيد بأن تصورات السياسة الثقافية بعد الإستقلال بالنسبة لأول رئيس حكومة تونسية تكونت إثر الإستقلال الداخلي سنة 1955 "الزعيم الحبيب بورقيبة" تتمثل في تأسيسه الدولة التونسية الفتية وبسط نفوذها السياسي على كامل تراب البلاد بإعلان الإستقلال التام في مارس 1956 من خلال إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 ليصبح الزعيم بورقيبة أول رئيس للجمهورية...وبالرغم من ازدحام الأولويات للدولة الفتية أمنيا وعسكريا وإداريا وإقتصاديا، بالرغم من كل ذلك كان هم بورقيبة تربويا وثقافيا وكان القانون عدد 58 الصادر في 1 أكتوبر والمنظم للتعليم محققا لأحد المكاسب الملحة للدولة الفتية ثم جاءت بعد ذلك مباشرة القرارات الخمسة التي تسند إحداث وزارة المعارف والإنطلاق في الإصلاح التربوي وأول هذه القرارات برنامج رفع الأمية وتعليم الكبار (سنة 1958) وإحداث الشركة الوطنية للإنماء السينمائي وبعث المعهد الوطني للآثار والفنون وقيام النخبة الثقافية القومية والبدء في تشييد شبكة دور الشعب وأخيرا إنشاء الشركة القومية للنشر والتوزيع والتي ستعوضها في 1964 الشركة التونسية للتوزيع وتتفرع عنها في 1966 الدار التونسية للنشر وكان قد سبقها أحداث الديوان البيداغوجي سنة 1958 ومن المعلوم تاريخيا بأن الزعيم بورقيبة كان يعتني في خطاباته بالمسألة الثقافية وكان أولها خطاب 7 نوفمبر 1962 الذي خصصه للمسرح والذي أصبح من ذلك التاريخ فرصة لدعوة المسرحيين لقصر قرطاج لتكريمهم ويعتبر هذا الحدث من المواعيد التي إنطلق منها أسبوع المسرح وتقديم تظاهرات مسرحية في كامل أنحاء الجمهورية كما كان ذلك منطلقا للمسرح المدرسي ومع قيام الجامعة التونسية قام معها المسرح الجامعي الذي كان الأرضية الخصبة التي أنبتت مسرحيين روادا للمسرح التونسي وفي شهادة تاريخية هامة يذكر الأستاذ الشاذلي القليبي أول كاتب دولة للثقافة في دولة الاستقلال: "..بأن الرئيس بورقيبة، قد كان مترددا في إنشاء وزارة تعنى بالثقافة، لاشتهار الدول الشيوعية بهذا الإختصاص الوزاري، وكان يتحاشى الإقتداء بها لإيمانه بأن الثقافة بدون حرية الإبداع، لا خير فيها لأهلها، ولا للبلاد عامة...ثم طرأ في تنظيمات الحكومة الفرنسية ما أقنع الرئيس أن الممارسات الشيوعية في أعمال هذه الوزارة يمكن تفادي سلبياتها بفتح أبواب الحرية والسعي لنشر الحركة الفكرية وكان من حظ هذه الوزارة الناشئة أن اجتمع في رحابها ومن حولها ثلة من أهل الفكر ومن أصحاب الإختصاصات الفنية الأفذاذ" ( ليدرز العربية 24).
ويذكر الأستاذ "الشاذلي القليبي" بأن اللجنة الثقافية القومية كانت وظيفتها التنسيق بين اللجان الجهوية ومتابعة كل ما يتعلق بالشؤون الثقافية في الجهات انصهارا لمختلف الأنشطة، وتفاعلها في تركيز الإهتمامات الثقافية، وإثارة الإجتهادات الفكرية والفنية، حيث بدأت تظهر ملامح ثقافة تونسية جديدة:"عريقة في عروبتها، متأصلة في إنتمائها الوطني، متفتحة على المنازع الإنسانية، آخذة بسبل التطور والنمو".
مع إخراج الحركة الثقافية من الإنحصار في العاصمة.وجعلها تشع من سائر المدن، شاملة لوجوه من الفنون لم تكن من قبل تعتبر من الثقافة.
ومن التفاصيل التي ذكرها الأستاذ الشاذلي القليبي عن هذه المرحلة أن الرئيس بورقيبة كان أول من أطلق على "الشعر الملحون" "الشعر الشعبي" وفي ذلك أكثر من دلالة أهمها تجذير الثقافة في بيئتها الإجتماعية. وجعل التجليات الإجتماعية مادة للإبداع والحلم.
تلك هي إذن منطلقات التأسيس الثقافي للدولة التونسية مع قيامها دولة فتية لشعب خارج لتوه من سجون الإستعمار وإكراهات الجهل والفقر والعبودية.
كان إنطلاق المشروع المجتمعي الحديث ملتحما مع الفعل الثقافي وبرغم التحولات التي شهدها المجتمع التونسي مدا وجزرا والتي تحولت خلالها من دولة الثقافة إلى ثقافة الدولة أحيانا فإننا نشهد اليوم عودة للخيار التأسيسي الأول لإيلاء الثقافة دورها الفاعل في منظومة التنمية والتغيير الإجتماعي ويتجلى هذا الخيار فيما تعمل على تنفيذه حكومة الوحدة الوطنية من خلال السياسة الثقافية الحالية التي نراها تشع في االمركز وتسعى للإشعاع في الداخل من خلال الفعاليات والتظاهرات والمهرجانات في مختلف أنحاء البلاد التي تعمل على تنفيذها وزارة الشؤون الثقافية، ولقد تأكد هذا الخيار بما بادرت به وزارة الشؤون الإجتماعية من خلال إستراتيجيتها لثقافة المؤسسة والمدن العمالية وآخر تجلياتها "المهرجان الثقافي" بالحوض المنجمي والندوة الوطنية لثقافة العمل على اعتبار "أن العمل إذا كان في المجتمعات القديمة قدر الفقراء بل عقابا كما هو في بعض الأديان فقد صار في العصر الحديث، خاصة بعد الثورات الصناعية معيار المقام الإجتماعي ومصدر ثروات الأمم وعظمتها مثلما يقول "آدم سميث" وبذلك يتلازم الفعل الثقافي مع الإجتماعي بتعاون الوزارتين والمجتمع المدني، وللحديث بقية وكل عام وقراؤنا الأعزاء بخير!

يكتبها: د.محمد أحمد القابسي
وخزة
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
في حين تفرّط سلطاتنا المسؤولة في كفاءاتنا العلمية والطبية لتحطّ الرحال خارج أرض الوطن ويستفيد منها غيرنا...
المزيد >>
حدث وحديث:حمادي الجبالي يسبق الانطلاق
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
أعلن حمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام السّابق لحركة النّهضة اعتزامه تقديم نفسه للانتخابات...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الحوت الأزرق
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
الى من يباركون ربيعهم العربي القُح والعبري الأصيل ويتفاخرون بسلامة تونس من دماره الشامل في البلدان العربية...
المزيد >>
من زيف منطق «الأزمــة» إلى صحـة الوعي السيـاسي
21 جانفي 2018 السّاعة 21:00
كيف يمكن اليوم توصيف وجع التونسي؟ ليس هو الحسرة لأن التونسي على يقين أخلاقي من أن يومه –على مرارته- أفضل من...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
هوس مرضي برئاسية 2019
لا تنفكّ مستجدّات الساحة الوطنيّة، من أحداث ومواقف وتصريحات، تكشفُ عن هوس يكاد يكون مرضيا لدى نُخبتنا بالانتخابات الرئاسيّة، إذ على الرغم من أنّ موعدها تفصلنا عنه قرابة العامين...
المزيد >>