محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 6 )
خالد الحدّاد
هوس مرضي برئاسية 2019
لا تنفكّ مستجدّات الساحة الوطنيّة، من أحداث ومواقف وتصريحات، تكشفُ عن هوس يكاد يكون مرضيا لدى نُخبتنا بالانتخابات الرئاسيّة، إذ على الرغم من أنّ موعدها تفصلنا عنه قرابة العامين...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 6 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ديسمبر 2017

جعل الاسلام رابطة الوحدة معتبرة اعتبارا اكيدا، فجاءت الوصية بمحبة الاوطان وجاءت الوصية برعاية حقوق الجار، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير فيما يتعلق بحبه لمكة، وحنينه اليها والى معالمها وحنينه الى ماء زمزم وورد شيء كثير من ذلك ايضا يقتضي محبة النبي صلى الله عليه وسلم المدينة التي هي وطنه الثاني ودعاءه لها ولاهلها الى غير ذلك مما هو مستفيض معروف مما اعتبر فيه المعنى الذي يجعل الوطن محبوبا لكنه لا يجعله غاية من المحبة ولا فاصلا بين المعنى الاجتماعي الاعلى وهذا المعنى من التلاقي في حب الوطن وايثاره وفدائه.
القوميات في الاسلام
وفي القوميات جاءت تعاليم الاسلام ايضا تقتضي اعتبار القومية فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم وحدة العرب واعتبرها وحدة نسبية للجامعة الكبرى واوصى بمحبة العرب وتوليهم . ففي حديث سلمان رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « لا تبغضني فتفارق دينك . فقال له سلمان رضي الله عنه: يا رسول الله كيف ابغضك وبك هداني الله، فقال تبغض العرب فتبغضني ببغضهم « وهو حديث اخرجه الامام الترمذي في جامعه .
وفي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو ايضا في جامع الترمذي: « من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي « . وكما اعتبر صلى الله عليه وسلم وحدة العرب وقوميتهم فانه اعتبر وحدة غيرهم من الشعوب التي دخلت في الاسلام فقد ورد « لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله قوم من فارس « اخرجه الترمذي ايضا . وعلى هذا يمكن الجمع بين المعاني التي اقتضت عدم الاعتراف بهذه الروابط وبين المعاني التي اقتضت تأكيدها فان عدم الاعتراف بها يرجع الى معنى انه لا يعترف بانها غاية وانها ليست مفرقة ولا فاصلة ولا مشتتة للجماعة والوصاية بها ترجع الى معنى انها مرحلة في سبيل الوحدة الكبرى وليست غاية في ذاتها ولكنها طريق الى غيرها فالمعنى حينئذ يدور على معنيي القطع والوصل فكل ما كان قاطعا عن الجامعة الكبرى كان مذموما وكل ما كان متصلا بالجامعة الكبرى كان محمودا واصل هذا يرجع الى قوله تعالى: « وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان « فكذلك هذه الروابط اذا كانت راجعة الى معنى البر والتقوى الذي جاء بهما الدين فهي روابط معتبرة وعلى معنى انها تعيش في نطاق الوحدة الكبرى واذا كان على معنى انها مفرقة وفاصلة ومشتتة فهي مذمومة ومردودة لان الوحدة الكبرى يجب ان تتقوم منها لا ان تكون متنافرة معها.
العصبيات ووضعها
وهذا المعنى هو الذي خرج عليه حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه وهو الذي خرجه مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا حلف في الاسلام وأيما حلف في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدة « فهذا المعنى يقتضي هدم الاحلاف باعتبار، واثباتها باعتبار اخر .
فالاحلاف التي تكون مفرقة لوحدة المسلمين ومبنية على معنى عصبيات بغيضة هي التي نفيت والاحلاف التي تكون راجعة الى معنى التعاون على البر والتقوى وخدمة مبادئ الدعوة الاسلامية ودعم كيانها هي التي تكون محمودة ولو كانت حاصلة قبل الاسلام وسابقة له مثل الاحلاف التي كانت مبنية على التعاون على الخير والحق واغاثة الملهوف ومقاومة الحرب واشاعة السلام الى غير ذلك من المعاني التي جاءت بها الدعوة الاسلامية واعتبرت اساسا لها .
وهذا يرجع الى معنى العصبيات فان العصبيات بذاتها قد تكون عصبيات مذمومة وقد تكون عصبيات محمودة فاذا كانت العصبية متجهة الى حيث تتلاقى مع المعاني الكبرى التي جاءت بها الدعوة الاسلامية واقيمت عليها جامعتها فهي عصبية ممدوحة وهو ما ورد في حديث واثلة بن الاسقع رضي الله عنه انه قال للنبي صلى الله عليه وسلم « ما العصبية ؟ يعني التي نهى عنها فقال « ان تعين قومك على الظلم « وورد حديث سراقة بن مالك الذي اخرجه ابو داود « خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم « .
وبهذا يتبين ان المقياس في جميع هذه الروابط من الاحلاف والعصبيات وغيرها لا يرجع الى صورها واشكالها ولكن يرجع الى معانيها وارواحها فكل ما كانت روحه روح الدين الاسلامي وكان مقربا لطائفة من المسلمين، او من البشر عموما، بعضهم من بعض على اساس اعمال يمدحها الاسلام ويدعو اليها كان محمودا وكل ما كان مبنيا من معان من شأنها ان تفرق او ان تدعو الى البغضاء او ان تشيع الفواحش كان مذموما .
وعلى ذلك يمكن الجمع بين متعارض الاحاديث فالحلف كان في الجاهلية والذي اشار النبي صلى الله عليه وسلم الى ان الاسلام لم يزده شدة هو في الغالب من الاحلاف التي عقدها قبائل من العرب بدعوة من حكمائهم وعقلائهم كانت نتيجة لما لاقوا من اهوال الحروب وما اصاب مجتمعاتهم من ويلات كانت الحرب متسببة فيها . فجاء الاسلام يؤيدها ويقرها وتلك من امثال الاحلاف التي ذكرها زهير في معلقته والتي ذكرها الحارث بن حلزة في معلقته ايضا وغيرها والاحلاف الاخرى التي هي عبارة عن عقود عدوانية او عن دعاو باطلة من شأنها ان تجعل الفرد متحالفا مع الجماعة على معنى انه صار منهم وانهم ينصرونه ظالما او مظلوما وانهم يورثونه وان لم يكن من قرابتهم فهذا من الباطل الذي جاء الاسلام بابطاله لانه لا يقر ظلما ولا يقر باطلا ولا زيفا فكما ابطل الاسلام احكام التبني ابطل احكام هذا الولاء الذي يجعل الواحد منوطا بقبيلة غير قبيلته كما قال الشاعر الجاهلي:
موالي حلف لا موالي قرابة *** ولكن قطينا يسألون الاتاويا

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 6 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ديسمبر 2017

جعل الاسلام رابطة الوحدة معتبرة اعتبارا اكيدا، فجاءت الوصية بمحبة الاوطان وجاءت الوصية برعاية حقوق الجار، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير فيما يتعلق بحبه لمكة، وحنينه اليها والى معالمها وحنينه الى ماء زمزم وورد شيء كثير من ذلك ايضا يقتضي محبة النبي صلى الله عليه وسلم المدينة التي هي وطنه الثاني ودعاءه لها ولاهلها الى غير ذلك مما هو مستفيض معروف مما اعتبر فيه المعنى الذي يجعل الوطن محبوبا لكنه لا يجعله غاية من المحبة ولا فاصلا بين المعنى الاجتماعي الاعلى وهذا المعنى من التلاقي في حب الوطن وايثاره وفدائه.
القوميات في الاسلام
وفي القوميات جاءت تعاليم الاسلام ايضا تقتضي اعتبار القومية فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم وحدة العرب واعتبرها وحدة نسبية للجامعة الكبرى واوصى بمحبة العرب وتوليهم . ففي حديث سلمان رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « لا تبغضني فتفارق دينك . فقال له سلمان رضي الله عنه: يا رسول الله كيف ابغضك وبك هداني الله، فقال تبغض العرب فتبغضني ببغضهم « وهو حديث اخرجه الامام الترمذي في جامعه .
وفي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو ايضا في جامع الترمذي: « من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي « . وكما اعتبر صلى الله عليه وسلم وحدة العرب وقوميتهم فانه اعتبر وحدة غيرهم من الشعوب التي دخلت في الاسلام فقد ورد « لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله قوم من فارس « اخرجه الترمذي ايضا . وعلى هذا يمكن الجمع بين المعاني التي اقتضت عدم الاعتراف بهذه الروابط وبين المعاني التي اقتضت تأكيدها فان عدم الاعتراف بها يرجع الى معنى انه لا يعترف بانها غاية وانها ليست مفرقة ولا فاصلة ولا مشتتة للجماعة والوصاية بها ترجع الى معنى انها مرحلة في سبيل الوحدة الكبرى وليست غاية في ذاتها ولكنها طريق الى غيرها فالمعنى حينئذ يدور على معنيي القطع والوصل فكل ما كان قاطعا عن الجامعة الكبرى كان مذموما وكل ما كان متصلا بالجامعة الكبرى كان محمودا واصل هذا يرجع الى قوله تعالى: « وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان « فكذلك هذه الروابط اذا كانت راجعة الى معنى البر والتقوى الذي جاء بهما الدين فهي روابط معتبرة وعلى معنى انها تعيش في نطاق الوحدة الكبرى واذا كان على معنى انها مفرقة وفاصلة ومشتتة فهي مذمومة ومردودة لان الوحدة الكبرى يجب ان تتقوم منها لا ان تكون متنافرة معها.
العصبيات ووضعها
وهذا المعنى هو الذي خرج عليه حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه وهو الذي خرجه مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا حلف في الاسلام وأيما حلف في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدة « فهذا المعنى يقتضي هدم الاحلاف باعتبار، واثباتها باعتبار اخر .
فالاحلاف التي تكون مفرقة لوحدة المسلمين ومبنية على معنى عصبيات بغيضة هي التي نفيت والاحلاف التي تكون راجعة الى معنى التعاون على البر والتقوى وخدمة مبادئ الدعوة الاسلامية ودعم كيانها هي التي تكون محمودة ولو كانت حاصلة قبل الاسلام وسابقة له مثل الاحلاف التي كانت مبنية على التعاون على الخير والحق واغاثة الملهوف ومقاومة الحرب واشاعة السلام الى غير ذلك من المعاني التي جاءت بها الدعوة الاسلامية واعتبرت اساسا لها .
وهذا يرجع الى معنى العصبيات فان العصبيات بذاتها قد تكون عصبيات مذمومة وقد تكون عصبيات محمودة فاذا كانت العصبية متجهة الى حيث تتلاقى مع المعاني الكبرى التي جاءت بها الدعوة الاسلامية واقيمت عليها جامعتها فهي عصبية ممدوحة وهو ما ورد في حديث واثلة بن الاسقع رضي الله عنه انه قال للنبي صلى الله عليه وسلم « ما العصبية ؟ يعني التي نهى عنها فقال « ان تعين قومك على الظلم « وورد حديث سراقة بن مالك الذي اخرجه ابو داود « خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم « .
وبهذا يتبين ان المقياس في جميع هذه الروابط من الاحلاف والعصبيات وغيرها لا يرجع الى صورها واشكالها ولكن يرجع الى معانيها وارواحها فكل ما كانت روحه روح الدين الاسلامي وكان مقربا لطائفة من المسلمين، او من البشر عموما، بعضهم من بعض على اساس اعمال يمدحها الاسلام ويدعو اليها كان محمودا وكل ما كان مبنيا من معان من شأنها ان تفرق او ان تدعو الى البغضاء او ان تشيع الفواحش كان مذموما .
وعلى ذلك يمكن الجمع بين متعارض الاحاديث فالحلف كان في الجاهلية والذي اشار النبي صلى الله عليه وسلم الى ان الاسلام لم يزده شدة هو في الغالب من الاحلاف التي عقدها قبائل من العرب بدعوة من حكمائهم وعقلائهم كانت نتيجة لما لاقوا من اهوال الحروب وما اصاب مجتمعاتهم من ويلات كانت الحرب متسببة فيها . فجاء الاسلام يؤيدها ويقرها وتلك من امثال الاحلاف التي ذكرها زهير في معلقته والتي ذكرها الحارث بن حلزة في معلقته ايضا وغيرها والاحلاف الاخرى التي هي عبارة عن عقود عدوانية او عن دعاو باطلة من شأنها ان تجعل الفرد متحالفا مع الجماعة على معنى انه صار منهم وانهم ينصرونه ظالما او مظلوما وانهم يورثونه وان لم يكن من قرابتهم فهذا من الباطل الذي جاء الاسلام بابطاله لانه لا يقر ظلما ولا يقر باطلا ولا زيفا فكما ابطل الاسلام احكام التبني ابطل احكام هذا الولاء الذي يجعل الواحد منوطا بقبيلة غير قبيلته كما قال الشاعر الجاهلي:
موالي حلف لا موالي قرابة *** ولكن قطينا يسألون الاتاويا

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
هوس مرضي برئاسية 2019
لا تنفكّ مستجدّات الساحة الوطنيّة، من أحداث ومواقف وتصريحات، تكشفُ عن هوس يكاد يكون مرضيا لدى نُخبتنا بالانتخابات الرئاسيّة، إذ على الرغم من أنّ موعدها تفصلنا عنه قرابة العامين...
المزيد >>