القوّة الثبوتية للترسيمات بــــالإدارة الملكيــــة العقاريــــة
عبد الحميد الرياحي
أطمــــــاع تركيـــــا.. أحـــــلام أردوغــــــــــان
العدوان العسكري التركي على مدينة عفرين السورية يعرّي بالكامل أطماع وأحلام تركيا ورئيسها أردوغان في التمدد وضمّ أجزاء من الأراضي السورية..
المزيد >>
القوّة الثبوتية للترسيمات بــــالإدارة الملكيــــة العقاريــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 ديسمبر 2017


يعتبر العقار عنصرا هاما وركيزة من ركائز الدورة الاقتصادية لذا اعتبر إستقرار وضعيته القانونية ووضوح حالته الاستحقاقية وكف النزاعات حول الملكية وطمأنة المتعاملين على الحقوق التي اكتسبوها على العقار هدفا سعى المشرع لتحقيقه منذ سنة 1885 وعمل على إيجاد السبل والآليات الكفيلة بتحقيقه فقرر خلق وثيقة تملك جديدة ذات قيمة ثبوتية وذات حجية وتقطع بذاك مع الحالة التي كانت سائدة قبل 1885 والتي تميزت بتعدد الوثائق المثبة للحق حيث كان مالك العقار يملك رسما يسمّى "الرسم الأصل" يحرر من قبل عدول الإشهاد وتضمن به كافة الانتقالات والحقوق الموظفة على العقار ولكن ذلك لم يكن يمنع من وجود وسائل أخرى تثبت ملكية العقار مثل الكتائب التي يحررها الكاتب العمومي أو "شهادة الاسترعاء" التي يحررها عدول الإشهاد بناءا على شهادة الثقات وتثبت أن شخصا معين يتصرف في العقار تصرف المالك في ملكه هذه الوثيقة الجديدة هي الرسم العقاري وقد أعطت إشارة الانطلاق لمرحلة جديدة من التعاملات على العقار وخلقت ترسيمات وتنصيصات وقيود أحاطها المشرع بالحماية اللازمة وأعطاها قوة ثبوتية في مواجهة كافة المتعاملين مع الرسم العقاري إيمانا منه بأن الترسيم بالسجل العقاري هو الحافظ الوحيد للحق "فالحق لا يتكون إلاّ بترسيمه بالسجل العقاري وابتداءا من تاريخ ذلك الترسيم (305م ح ع) لكن السؤال المطروح هنا هو هل أن هذه الترسيمات تتمتع بحجية مطلقة ؟
ألا يمكن التشطيب عليها خاصة إذا ما تسرب إليها خطأ يترتب عليه ضرر لصاحب الحق أو للغير حسن النية ؟ هل من إمكانية لمراجعتها وإصلاحها أو التشطيب عليها جزئيا أو كليا متى اقتضى الأمر ذلك ؟ للوقوف على حجية الترسيمات بالسجل العقاري لابد أن نفرق بين الترسيمات الواقعة تنفيذا لأحكام المحكمة العقارية (I) والترسيمات اللاحقة لأحكام التسجيل سواءا قدمت إلى المحكمة العقارية وأحالها على إدارة الملكية العقارية ضمن ملف حكم التسجيل أو التي قدمها المعنيون مباشرة للإدارة المذكورة (II).
ـ القوة الثبوتية للأحكام الصادرة عن المحكمة العقارية:
لقد عرفت أحكام التسجيل تدرجا تشريعيا في اتجاه التنقيص من الحجية المطلقة التي تكتسبها فمرت من أحكام ذات قوة ثبوتية مطلقة (أ) إلى أحكام قابلة للمراجعة (ب).
ـ القوة الثبوتية المطلقة لأحكام التسجيل:
لقد كانت أحكام التسجيل منذ أن تبنى المشروع التونسي لنظام الإشهار العيني والتسجيل القضائي للعقارات تكتسي صبغة باتة حيث لم يخضع الأمر العلي المؤرخ في غرة جويلية 1885 أحكام التسجيل إلى أيّ وسيلة من وسائل الطعن العادية أو غير العادية.
وقد تم تأكيد هذا الخيار عند إصدار مجلة الحقوق العينية سنة 1965 حيث نص الفصل 322 من مجلة الحقوق العينية القديم على أن أحكام المحكمة العقارية لا تقبل الطعن بالاعتراض ولا بالاستئناف ولا بأي وسيلة أخرى ويترتب عن ذلك:
ـ الحجية المطلقة لأحكام التسجيل وتجاه الجميع سواء كانوا خلفا خاصا أو عاما أو غير.
فلا يمكن لمن تضرر من حكم التسجيل الرجوع على العقار بل مكنه الفصل 337 من مجلة الحقوق العينية من إمكانية الرجوع على المستفيد من حكم التسجيل بدعوى شخصية في عزم الضرر.
ـ عدم إمكانية الرجوع في حكم التسجيل وإلغاء الرسم العقاري المقام بناء على حكم التسجيل وإبطال الترسيمات المترتبة على الحكم المذكور.
إلاّ أنه أمام النتائج القاسية التي ترتبت عن الحجية المطلقة لأحكام الترسيم في هذه الفترة وأمام صدور العديد من الأحكام المجانية للصواب وإكسائها بالصبغة الباتة وعدم إمكانية الرجوع فيها وأمام قصور الفصل 337 من مجلة الحقوق العينية على إيجاد حلا عادلا لمن تضرر من هذه الأحكام أقر المشرع حلا خاصا لا يمسّ من مبدأ الحجية المطلقة لأحكام التسجيل ولا يحول إمكانية الطعن فيها ولكنه أباح بمقتضى القانون عدد 10 لسنة 1995 المؤرخ في 23 جانفي 1995 المتعلق بتنقيح بعض فصول مجلة الحقوق العينية إمكانية الرجوع في هذه الأحكام إذا ما توفرت الشروط اللازمة.
ـ إمكانية مراجعة أحكام التسجيل:
لقد حدد الفصل 322 جديد من مجلة الحقوق العينية الشروط الواجب توفرها لأمكانية مراجعة أحكام الترسيم من ذلك:
ـ أن يكون الحكم المطعون فيه اعتمد نصا سبق نسخه أو تنقيحه بماصيره غير منطبق.
ـ اعتماد حكما مدنيا اتصل به القضاء متناقضا مع حكم عقاري سبق إضافته لملف التسجيل.
ـ إغفال وثائق مودعة بالملف وكان لها أثرا مباشرا في تغيير منطوق الحكم.
ـ أن يكون الحكم متناقضا مع حكم تسجيل آخر سابق له وخاص بالعقار المتنازع عليه.
ـ اعتماد على أدلة سبق أن حكم عليها بمقتضى حكم جزائي بات بالزور أو التدليس.
وإذا ما توفر أحد هذه الشروط فإنه يكون بإمكان دائرة مراجعة أحكام التسجيل أن تقرر الرجوع في هذا الحكم ويفقد بالتالي العقار صفة العقار المسجل.
غير أنه واقعيا صور الرجوع في أحكام التسجيلكانت نادرة ممّا أدّى بالمشرع للتدخل مرة أخرى بموجب القانون عدد 67 لسنة 2008 المؤرخ في 03 نوفمبر 2008 والذي أقرّ إمكانية الطعن بالتعقيب في أحكام التسجيل.
ج - حالات التعقيب في أحكام التسجيل:
يجب أن يتأسس مطلب التعقيب على إحدى الصور الواردة بالفصل 357 مكرر من مجلة الحقوق العينية والمتمثلة فيما يلي:
ـ أن يكون الحكم المطعون فيه بالتعقيب مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله.
ـ إذا كان الحكم تجاوز اختصاص المحكمة التي أصدرته.
ـ إذا كان متضمنا لإفراط في استعمال السلطة.
ـ إذا لم يقع احترام الإجراءات أو الصيغ التي رتب القانون على عدم احترامها البطلان أو السقوط.
ـ إذا صدر حكمان أو أكثر بالتسجيل في ذات العقار.
ـ إذا صدر الحكم على فاقد الأهلية دون أن يقع تمثيله في القضية تمثيلا صحيحا أو وقع تقصيرا واضحا في الدفاع عن حقوقه وكان ذلك السبب الأصلي أو الوحيد في صدور الحكم المطعون فيه وذلك مع مراعاة مقتضيات الفصلين 329 و330 من مجلة الالتزامات والعقود.
ـ إذا أنبنى الحكم المطعون فيه على أدلة ثبت جزائيا زورها أو تدليسها بحكم نهائي ويشترط في طالب التعقيب أن يكون طرفا في الحكم المطعون فيه أو من خلفائه كما يمكن أن يكون المعترض أو المتداخل أو المستفيد من حكم الترسيم.
ويجب أن يقدم مطلب التعقيب في الصور الأربع الأوائل وفي الصورة السادسة في أجل ستين يوما من تاريخ صدور الحكم المطلوب تعقيبه ويحتسب هذا الأجل في الصورة السابعة ابتداءا من صدور الحكم الجزائي النهائي.
أمّا بالنسبة للصورة الخامسة وأيضا في صورة تقديم مطلب التعقيب من طرف النيابة العمومية فإنّه لم يحدد أجل في الغرض.
ـ حجية الترسيمات اللاحقة لتنفيذ أحكام التسجيل:
كل الصكوك والعقود المتعلقة بالعقار واللاحقة لتنفيذ أحكام التسجيل تقدم إلى إدارة الملكية العقارية للنظر في إمكانية ترسيمها.
وقد سعت إدارة الملكية العقارية إلى إحاطة الترسيمات التي تباشرها بجميع الضمانات الممكنة لدعم القوة الثبوتية للترسيمات واعتمدت لذلك إجراء خاصا لدراسة مطالب الترسيم حيث يمر مطلب الترسيم بثلاثة مراحل لدارسته وتتمثل المرحلة الأولى في مرحلة التحقيق حيث يتم دراسة الوثائق المقدمة للترسيم والتثبت من مدى احترامها لمبدأ الشرعية من حيث شكلها وموضوعها ومن مدى تطابق البيانات التي تضمنتها مع بيانات الرسم العقاري من حيث موقع العقار ومساحته ثم التثبت من بيانات صاحب الحق المراد ترسيمه وأيضا من مدى احترام مبدأ التسلسل ويتم بناءا على هذا التحقيق قبول مطلب الترسيم أو رفضه ولكن هذا القرار غير نهائي حيث بعد نهاية مرحلة التحقيق يمر المطلب إلى مرحلة مراجعة التحقيق في مطلب الترسيم وفي هذه المرحلة يقع التثبت من سلامة القرار المتخذ عند التحقيق فيتمّ إمّا تأييده فيمر الملف إلى مرحلة المراجعة العليا أو يتم نقضه فيعود إلى التحقيق لتصويب القرار وفي مرحلة المراجعة العليا وهي المرحلة الثالثة والأخيرة يتم اتخاذ القرار النهائي إمّا بقبول الترسيم أو برفضه.
وقد يبدو هذا الإجراء طويل ومعقد ويتطلب وقتا طويلا شيئا ما ليتمكن طالب الترسيم من ترسيم حقه بالسجل العقاري ولكن الهدف من كل ذلك هو التطبيق السليم للقانون والحد من الأخطاء والنقائص لتي قد تتسرب للسجل العقاري فتهز الثقة التي اكتسبها المتعامل مع الرسم وتحد من القوة الثبوتية للترسيمات ولكن ورغم أهمية التحقيقات المشار إليها فإن الأخطاء قد تحدث أثناء الترسيم وقد تكون مجرد أخطاء مادية لا تمس بجوهر الترسيم فيبقى الترسيم قائم وتصلح تلك الأخطاء وقد تكون هذه الأخطاء جوهرية وتمس جوهر الترسيم وقد يقتضي إصلاحها أحيانا التشطيب الجزئي أو حتى الكي على الترسيمات.
ويكون الإصلاح إمّا بطلب من المعنيين بالأمر عن طريق عريضة يتقدمون بها إلى مدير الملكية العقارية الذي يتحقق من شرعية الإصلاح المطلوب إجراءه ويقوم عند الاقتضاء بفتح ملف في الغرض وإصلاح الخطأ بناءا على المؤيدات والوثائق القانونية المرفقة بمطلب الإصلاح.
وقد يتمّ هذا الإصلاح بمبادرة من المدير الجهوي للملكية العقارية إذا تبين أن نص الترسيم ما كان أن يدرج سواءا كليا أو جزئيا وذلك لتعارض البيانات الواردة بالصك المقدم للترسيم مع بيانات الرسم العقاري أو لغيات شرط من الشروط القانونية الواجب توفرها لإجراء الترسيم المطلوب كأن يكون موضوع البيع يتعلق بمنابات محددة في حين الترسيم شمل كامل العقار أو أن يكون البائع أو الواهب أو صاحب الحق المراد رهنه لم يعد مالكا بعد أن فوت في جميع ما يملكه في العقار موضوع الرسم المراد إجراء الترسيم عليه أو أن ترسيم البيع قد تم دون توفر الرخص الإدارية المستوجبة قانونا فإن المدير الجهوي في هذه الحالات يتدخل لإصلاح الغلط تطبيقا لمقتضيات الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية بطلب يدرجه في الغرض ويصاغ في شكل مذكرة إصلاح ترسيم ويضمن بدفتر تضمين مطالب الترسيم.إلاّ أن تطبيق الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية قد أثار إشكالا في خصوص نطاق الإصلاح المطلوب فهل يقتصر هذا الإصلاح الذي خوله المشرع لحافظ الملكية العقارية على مجرد إصلاح الأخطاء المادية التي لا تمس بجوهر الترسيم أم أنه يمكن أن يمتد إلى الأخطاء التي تمس الترسيم ذاته ويقتضي إصلاحها التشطيب الجزئي أو الكلي للترسيم فيتم إلغاؤه وتعود الحالة إلى ما كنت عليها قبل إجرائه؟
لقد اتجه البعض إلى القول أن الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية يجب أن تتمّ قراءته مع الفصل 361 من نفس المجلة لنستخلص من ذلك أن المقصود من الإصلاح الذي أشار إليه المشرع في الفصل 391 هو إصلاح الأخطاء المادية التي لا تمس من جوهر الحق ولا تمس بالمفعول الحفظي للترسيم خاصة وأن أغلب التشريعات التي تبنت نظام العيني مكنت الماسك للسجل العقاري من تدارك الأخطاء الناتجة عن السهو أو إغفال بعض البينات أو غيرها من الأخطاء المادية البسيطة من ذلك المشرع المصري واللبناني وما يدعم هذا الاتجاه هو أن الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية جاء كاستثناء للمفعول الحفظي للترسيمات والاستثناء حسب الفصل 540 من مجلة الالتزامات والعقود لا يمكن أن يقع التوسع فيه.
غير أن إدارة الملكية العقارية لم تنحى هذا المنحى واعتبرت أنه طالما مكنها المشرع من إصلاح الأخطاء المادية البسيطة فمن باب أولى وأحرى أن تتمتع بهذه الإجازة في الإصلاح إذا ما تعلق الأمر بترسيم جزئي أو كلّي قائم على أساس غير قانوني طالما أن الهدف الأساسي من إمكانية تدخل حافظ الملكية العقارية هو الحفاظ على مبدأ الشرعية في الترسيمات ودعم ثقة المتعامل مع الرسم العقاري في مصداقية الترسيمات وشرعيتها خاصة إذا ما لم يتعلق بهذه الترسيمات حق الغير حسن النية.

نجوى حمراوي متفقد مركزي رئيس مصلحة بإدارة الملكية العقارية
في ذكرى 18 جانفي 1952 !:ما لـم يفعله الباجي لأجل تونس! !
22 جانفي 2018 السّاعة 21:00
عرف تاريخ تونس المعاصر هزتين سياسيتين:
المزيد >>
تحالفات الأضداد في المواسم والأعياد ومواقع ومواقف الدستوريين منها
22 جانفي 2018 السّاعة 21:00
في سياق ما أصبحت تعيشه الساحة السياسية في تونس من تحالفات واتفاقات تبرم من هنا وهناك بعضها في السر والآخر في...
المزيد >>
في ظل القانون الانتخابي الحالي ومشروع مجلة الجماعات المحلية:الانتخابات البلدية المقبلة... الصعوبات...
15 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اتسمت الفترة الماضية ومنذ سبع سنوات بتوالي المواعيد الانتخابية من رئاسية والمجلس التأسيسي ثم مجلس نواب...
المزيد >>
نســور وخفـــافيش
15 جانفي 2018 السّاعة 21:00
قد يطلب الانسان ما لا طمع فيه، أو ما يستحيل تحقيقه، وهذا لا ضير فيه، إذا كان الطالب عريض الطموح، ذا عقل مجنّح...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
القوّة الثبوتية للترسيمات بــــالإدارة الملكيــــة العقاريــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 ديسمبر 2017


يعتبر العقار عنصرا هاما وركيزة من ركائز الدورة الاقتصادية لذا اعتبر إستقرار وضعيته القانونية ووضوح حالته الاستحقاقية وكف النزاعات حول الملكية وطمأنة المتعاملين على الحقوق التي اكتسبوها على العقار هدفا سعى المشرع لتحقيقه منذ سنة 1885 وعمل على إيجاد السبل والآليات الكفيلة بتحقيقه فقرر خلق وثيقة تملك جديدة ذات قيمة ثبوتية وذات حجية وتقطع بذاك مع الحالة التي كانت سائدة قبل 1885 والتي تميزت بتعدد الوثائق المثبة للحق حيث كان مالك العقار يملك رسما يسمّى "الرسم الأصل" يحرر من قبل عدول الإشهاد وتضمن به كافة الانتقالات والحقوق الموظفة على العقار ولكن ذلك لم يكن يمنع من وجود وسائل أخرى تثبت ملكية العقار مثل الكتائب التي يحررها الكاتب العمومي أو "شهادة الاسترعاء" التي يحررها عدول الإشهاد بناءا على شهادة الثقات وتثبت أن شخصا معين يتصرف في العقار تصرف المالك في ملكه هذه الوثيقة الجديدة هي الرسم العقاري وقد أعطت إشارة الانطلاق لمرحلة جديدة من التعاملات على العقار وخلقت ترسيمات وتنصيصات وقيود أحاطها المشرع بالحماية اللازمة وأعطاها قوة ثبوتية في مواجهة كافة المتعاملين مع الرسم العقاري إيمانا منه بأن الترسيم بالسجل العقاري هو الحافظ الوحيد للحق "فالحق لا يتكون إلاّ بترسيمه بالسجل العقاري وابتداءا من تاريخ ذلك الترسيم (305م ح ع) لكن السؤال المطروح هنا هو هل أن هذه الترسيمات تتمتع بحجية مطلقة ؟
ألا يمكن التشطيب عليها خاصة إذا ما تسرب إليها خطأ يترتب عليه ضرر لصاحب الحق أو للغير حسن النية ؟ هل من إمكانية لمراجعتها وإصلاحها أو التشطيب عليها جزئيا أو كليا متى اقتضى الأمر ذلك ؟ للوقوف على حجية الترسيمات بالسجل العقاري لابد أن نفرق بين الترسيمات الواقعة تنفيذا لأحكام المحكمة العقارية (I) والترسيمات اللاحقة لأحكام التسجيل سواءا قدمت إلى المحكمة العقارية وأحالها على إدارة الملكية العقارية ضمن ملف حكم التسجيل أو التي قدمها المعنيون مباشرة للإدارة المذكورة (II).
ـ القوة الثبوتية للأحكام الصادرة عن المحكمة العقارية:
لقد عرفت أحكام التسجيل تدرجا تشريعيا في اتجاه التنقيص من الحجية المطلقة التي تكتسبها فمرت من أحكام ذات قوة ثبوتية مطلقة (أ) إلى أحكام قابلة للمراجعة (ب).
ـ القوة الثبوتية المطلقة لأحكام التسجيل:
لقد كانت أحكام التسجيل منذ أن تبنى المشروع التونسي لنظام الإشهار العيني والتسجيل القضائي للعقارات تكتسي صبغة باتة حيث لم يخضع الأمر العلي المؤرخ في غرة جويلية 1885 أحكام التسجيل إلى أيّ وسيلة من وسائل الطعن العادية أو غير العادية.
وقد تم تأكيد هذا الخيار عند إصدار مجلة الحقوق العينية سنة 1965 حيث نص الفصل 322 من مجلة الحقوق العينية القديم على أن أحكام المحكمة العقارية لا تقبل الطعن بالاعتراض ولا بالاستئناف ولا بأي وسيلة أخرى ويترتب عن ذلك:
ـ الحجية المطلقة لأحكام التسجيل وتجاه الجميع سواء كانوا خلفا خاصا أو عاما أو غير.
فلا يمكن لمن تضرر من حكم التسجيل الرجوع على العقار بل مكنه الفصل 337 من مجلة الحقوق العينية من إمكانية الرجوع على المستفيد من حكم التسجيل بدعوى شخصية في عزم الضرر.
ـ عدم إمكانية الرجوع في حكم التسجيل وإلغاء الرسم العقاري المقام بناء على حكم التسجيل وإبطال الترسيمات المترتبة على الحكم المذكور.
إلاّ أنه أمام النتائج القاسية التي ترتبت عن الحجية المطلقة لأحكام الترسيم في هذه الفترة وأمام صدور العديد من الأحكام المجانية للصواب وإكسائها بالصبغة الباتة وعدم إمكانية الرجوع فيها وأمام قصور الفصل 337 من مجلة الحقوق العينية على إيجاد حلا عادلا لمن تضرر من هذه الأحكام أقر المشرع حلا خاصا لا يمسّ من مبدأ الحجية المطلقة لأحكام التسجيل ولا يحول إمكانية الطعن فيها ولكنه أباح بمقتضى القانون عدد 10 لسنة 1995 المؤرخ في 23 جانفي 1995 المتعلق بتنقيح بعض فصول مجلة الحقوق العينية إمكانية الرجوع في هذه الأحكام إذا ما توفرت الشروط اللازمة.
ـ إمكانية مراجعة أحكام التسجيل:
لقد حدد الفصل 322 جديد من مجلة الحقوق العينية الشروط الواجب توفرها لأمكانية مراجعة أحكام الترسيم من ذلك:
ـ أن يكون الحكم المطعون فيه اعتمد نصا سبق نسخه أو تنقيحه بماصيره غير منطبق.
ـ اعتماد حكما مدنيا اتصل به القضاء متناقضا مع حكم عقاري سبق إضافته لملف التسجيل.
ـ إغفال وثائق مودعة بالملف وكان لها أثرا مباشرا في تغيير منطوق الحكم.
ـ أن يكون الحكم متناقضا مع حكم تسجيل آخر سابق له وخاص بالعقار المتنازع عليه.
ـ اعتماد على أدلة سبق أن حكم عليها بمقتضى حكم جزائي بات بالزور أو التدليس.
وإذا ما توفر أحد هذه الشروط فإنه يكون بإمكان دائرة مراجعة أحكام التسجيل أن تقرر الرجوع في هذا الحكم ويفقد بالتالي العقار صفة العقار المسجل.
غير أنه واقعيا صور الرجوع في أحكام التسجيلكانت نادرة ممّا أدّى بالمشرع للتدخل مرة أخرى بموجب القانون عدد 67 لسنة 2008 المؤرخ في 03 نوفمبر 2008 والذي أقرّ إمكانية الطعن بالتعقيب في أحكام التسجيل.
ج - حالات التعقيب في أحكام التسجيل:
يجب أن يتأسس مطلب التعقيب على إحدى الصور الواردة بالفصل 357 مكرر من مجلة الحقوق العينية والمتمثلة فيما يلي:
ـ أن يكون الحكم المطعون فيه بالتعقيب مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله.
ـ إذا كان الحكم تجاوز اختصاص المحكمة التي أصدرته.
ـ إذا كان متضمنا لإفراط في استعمال السلطة.
ـ إذا لم يقع احترام الإجراءات أو الصيغ التي رتب القانون على عدم احترامها البطلان أو السقوط.
ـ إذا صدر حكمان أو أكثر بالتسجيل في ذات العقار.
ـ إذا صدر الحكم على فاقد الأهلية دون أن يقع تمثيله في القضية تمثيلا صحيحا أو وقع تقصيرا واضحا في الدفاع عن حقوقه وكان ذلك السبب الأصلي أو الوحيد في صدور الحكم المطعون فيه وذلك مع مراعاة مقتضيات الفصلين 329 و330 من مجلة الالتزامات والعقود.
ـ إذا أنبنى الحكم المطعون فيه على أدلة ثبت جزائيا زورها أو تدليسها بحكم نهائي ويشترط في طالب التعقيب أن يكون طرفا في الحكم المطعون فيه أو من خلفائه كما يمكن أن يكون المعترض أو المتداخل أو المستفيد من حكم الترسيم.
ويجب أن يقدم مطلب التعقيب في الصور الأربع الأوائل وفي الصورة السادسة في أجل ستين يوما من تاريخ صدور الحكم المطلوب تعقيبه ويحتسب هذا الأجل في الصورة السابعة ابتداءا من صدور الحكم الجزائي النهائي.
أمّا بالنسبة للصورة الخامسة وأيضا في صورة تقديم مطلب التعقيب من طرف النيابة العمومية فإنّه لم يحدد أجل في الغرض.
ـ حجية الترسيمات اللاحقة لتنفيذ أحكام التسجيل:
كل الصكوك والعقود المتعلقة بالعقار واللاحقة لتنفيذ أحكام التسجيل تقدم إلى إدارة الملكية العقارية للنظر في إمكانية ترسيمها.
وقد سعت إدارة الملكية العقارية إلى إحاطة الترسيمات التي تباشرها بجميع الضمانات الممكنة لدعم القوة الثبوتية للترسيمات واعتمدت لذلك إجراء خاصا لدراسة مطالب الترسيم حيث يمر مطلب الترسيم بثلاثة مراحل لدارسته وتتمثل المرحلة الأولى في مرحلة التحقيق حيث يتم دراسة الوثائق المقدمة للترسيم والتثبت من مدى احترامها لمبدأ الشرعية من حيث شكلها وموضوعها ومن مدى تطابق البيانات التي تضمنتها مع بيانات الرسم العقاري من حيث موقع العقار ومساحته ثم التثبت من بيانات صاحب الحق المراد ترسيمه وأيضا من مدى احترام مبدأ التسلسل ويتم بناءا على هذا التحقيق قبول مطلب الترسيم أو رفضه ولكن هذا القرار غير نهائي حيث بعد نهاية مرحلة التحقيق يمر المطلب إلى مرحلة مراجعة التحقيق في مطلب الترسيم وفي هذه المرحلة يقع التثبت من سلامة القرار المتخذ عند التحقيق فيتمّ إمّا تأييده فيمر الملف إلى مرحلة المراجعة العليا أو يتم نقضه فيعود إلى التحقيق لتصويب القرار وفي مرحلة المراجعة العليا وهي المرحلة الثالثة والأخيرة يتم اتخاذ القرار النهائي إمّا بقبول الترسيم أو برفضه.
وقد يبدو هذا الإجراء طويل ومعقد ويتطلب وقتا طويلا شيئا ما ليتمكن طالب الترسيم من ترسيم حقه بالسجل العقاري ولكن الهدف من كل ذلك هو التطبيق السليم للقانون والحد من الأخطاء والنقائص لتي قد تتسرب للسجل العقاري فتهز الثقة التي اكتسبها المتعامل مع الرسم وتحد من القوة الثبوتية للترسيمات ولكن ورغم أهمية التحقيقات المشار إليها فإن الأخطاء قد تحدث أثناء الترسيم وقد تكون مجرد أخطاء مادية لا تمس بجوهر الترسيم فيبقى الترسيم قائم وتصلح تلك الأخطاء وقد تكون هذه الأخطاء جوهرية وتمس جوهر الترسيم وقد يقتضي إصلاحها أحيانا التشطيب الجزئي أو حتى الكي على الترسيمات.
ويكون الإصلاح إمّا بطلب من المعنيين بالأمر عن طريق عريضة يتقدمون بها إلى مدير الملكية العقارية الذي يتحقق من شرعية الإصلاح المطلوب إجراءه ويقوم عند الاقتضاء بفتح ملف في الغرض وإصلاح الخطأ بناءا على المؤيدات والوثائق القانونية المرفقة بمطلب الإصلاح.
وقد يتمّ هذا الإصلاح بمبادرة من المدير الجهوي للملكية العقارية إذا تبين أن نص الترسيم ما كان أن يدرج سواءا كليا أو جزئيا وذلك لتعارض البيانات الواردة بالصك المقدم للترسيم مع بيانات الرسم العقاري أو لغيات شرط من الشروط القانونية الواجب توفرها لإجراء الترسيم المطلوب كأن يكون موضوع البيع يتعلق بمنابات محددة في حين الترسيم شمل كامل العقار أو أن يكون البائع أو الواهب أو صاحب الحق المراد رهنه لم يعد مالكا بعد أن فوت في جميع ما يملكه في العقار موضوع الرسم المراد إجراء الترسيم عليه أو أن ترسيم البيع قد تم دون توفر الرخص الإدارية المستوجبة قانونا فإن المدير الجهوي في هذه الحالات يتدخل لإصلاح الغلط تطبيقا لمقتضيات الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية بطلب يدرجه في الغرض ويصاغ في شكل مذكرة إصلاح ترسيم ويضمن بدفتر تضمين مطالب الترسيم.إلاّ أن تطبيق الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية قد أثار إشكالا في خصوص نطاق الإصلاح المطلوب فهل يقتصر هذا الإصلاح الذي خوله المشرع لحافظ الملكية العقارية على مجرد إصلاح الأخطاء المادية التي لا تمس بجوهر الترسيم أم أنه يمكن أن يمتد إلى الأخطاء التي تمس الترسيم ذاته ويقتضي إصلاحها التشطيب الجزئي أو الكلي للترسيم فيتم إلغاؤه وتعود الحالة إلى ما كنت عليها قبل إجرائه؟
لقد اتجه البعض إلى القول أن الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية يجب أن تتمّ قراءته مع الفصل 361 من نفس المجلة لنستخلص من ذلك أن المقصود من الإصلاح الذي أشار إليه المشرع في الفصل 391 هو إصلاح الأخطاء المادية التي لا تمس من جوهر الحق ولا تمس بالمفعول الحفظي للترسيم خاصة وأن أغلب التشريعات التي تبنت نظام العيني مكنت الماسك للسجل العقاري من تدارك الأخطاء الناتجة عن السهو أو إغفال بعض البينات أو غيرها من الأخطاء المادية البسيطة من ذلك المشرع المصري واللبناني وما يدعم هذا الاتجاه هو أن الفصل 391 من مجلة الحقوق العينية جاء كاستثناء للمفعول الحفظي للترسيمات والاستثناء حسب الفصل 540 من مجلة الالتزامات والعقود لا يمكن أن يقع التوسع فيه.
غير أن إدارة الملكية العقارية لم تنحى هذا المنحى واعتبرت أنه طالما مكنها المشرع من إصلاح الأخطاء المادية البسيطة فمن باب أولى وأحرى أن تتمتع بهذه الإجازة في الإصلاح إذا ما تعلق الأمر بترسيم جزئي أو كلّي قائم على أساس غير قانوني طالما أن الهدف الأساسي من إمكانية تدخل حافظ الملكية العقارية هو الحفاظ على مبدأ الشرعية في الترسيمات ودعم ثقة المتعامل مع الرسم العقاري في مصداقية الترسيمات وشرعيتها خاصة إذا ما لم يتعلق بهذه الترسيمات حق الغير حسن النية.

نجوى حمراوي متفقد مركزي رئيس مصلحة بإدارة الملكية العقارية
في ذكرى 18 جانفي 1952 !:ما لـم يفعله الباجي لأجل تونس! !
22 جانفي 2018 السّاعة 21:00
عرف تاريخ تونس المعاصر هزتين سياسيتين:
المزيد >>
تحالفات الأضداد في المواسم والأعياد ومواقع ومواقف الدستوريين منها
22 جانفي 2018 السّاعة 21:00
في سياق ما أصبحت تعيشه الساحة السياسية في تونس من تحالفات واتفاقات تبرم من هنا وهناك بعضها في السر والآخر في...
المزيد >>
في ظل القانون الانتخابي الحالي ومشروع مجلة الجماعات المحلية:الانتخابات البلدية المقبلة... الصعوبات...
15 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اتسمت الفترة الماضية ومنذ سبع سنوات بتوالي المواعيد الانتخابية من رئاسية والمجلس التأسيسي ثم مجلس نواب...
المزيد >>
نســور وخفـــافيش
15 جانفي 2018 السّاعة 21:00
قد يطلب الانسان ما لا طمع فيه، أو ما يستحيل تحقيقه، وهذا لا ضير فيه، إذا كان الطالب عريض الطموح، ذا عقل مجنّح...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
أطمــــــاع تركيـــــا.. أحـــــلام أردوغــــــــــان
العدوان العسكري التركي على مدينة عفرين السورية يعرّي بالكامل أطماع وأحلام تركيا ورئيسها أردوغان في التمدد وضمّ أجزاء من الأراضي السورية..
المزيد >>