مجرّد رأي في المجموعة القصصيّة ..«ابتسم...إنّها تمطر» للكاتبة بلقيس خليفة
نورالدين بالطيب
الأحزاب .... وغياب المشاركة السياسية !
أعلن أمس الأستاذ نجيب الشابي عن تأسيس حزب سياسي جديد هو الحزب رقم 208 تحت اسم « الحركة الديمقراطية « وهو حزب وسطي يستند الى الإرث الاصلاحي التونسي ويهدف الى المحافظة على مكاسب تونس...
المزيد >>
مجرّد رأي في المجموعة القصصيّة ..«ابتسم...إنّها تمطر» للكاتبة بلقيس خليفة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 نوفمبر 2017

ابتسم...إنّها تمطر مجموعة قصصيّة جديدة للكاتبة بلقيس خليفة صدرت عن دار المنتدى للثّقافة والإعلام، وبلقيس خليفة كاتبة مشاكسة ومرحة، هكذا عرفتها في مجموعتها القصصيّة الأولى «ملاحظات عابرة» وخاصّة في حرصها على تعميق روح السّخرية وتعدّد الأصوات وتنوّع زوايا الرّؤية السّرديّة..تكتب قصّتها بدماغ مقلوب،وتشاكس الجميع، تشاكس الرّاوي والنّاقد والقارئ خاصّة..
في مجموعتها « ابتسم ..إنّها تمطر « مرّت بلقيس خليفة إلى طور تدمير الحبكة القصصيّة التّقليديّة، طور يحتاج طبعا إلى جرأة ودماغ متمرّد..وعمّقت أكثر مفاوضاتها وصراعاتها مع الجماعة، الرّاوي والنّاقد والقارئ..
قصص بلقيس خليفة تنتمي فعلا إلى الأدب السّاخر، الأدب الذي يستنفر فيه الكاتب تجربته وسعة اطّلاعه ومعرفته بفنّ الكاريكاتور في ثلاثيّة التّضخيم والضّمور والمبالغة بالإضافة إلى المرح، والكاتبة لا ينقصها المرح...
من أهمّ العتبات التي تميّز المجموعة القصصيّة عتبة العناوين، العنوان العامّ والجامع ، ابتسم...إنّها تمطر، يقوم لغويّا على القطع بين جملتين، الأولى إنشائيّة والثانية خبريّة وهو ما يوحي بجوهر المفارقة التي تميّز مضامين القصص التي انتخبتها الكاتبة في مجموعتها، أمّا العناوين الفرعيّة فتغلب عليها البساطة والمشاكسة..مع محافظة الكاتبة على نقاطها الثّلاث في بعض العناوين للفصل بين جملتين أو مكوّنين لغويين تعميقا لملامح السّخرية وقد تخيّرتها خليفة منحى مميّزا في الكتابة..
استدعت الكاتبة الحياة كما تجري في الواقع بكلّ تلويناتها وتناقضاتها الاجتماعيّة والنفسيّة وبأشكالها السلبيّة في السياسة والمجتمع أحداثا وحكايات وشخصيّات ..تفعل كلّ ذلك مع أحداث نعيشها وحكايات نسمع عنها وشخصيّات تثيرنا ولكنّنا نتجاوزها، غير أنّ الكاتبة تحسن اقتناص كلّ ذلك وتنشر الغسيل بتحليل عميق تنتفض فيه الضّحكة مع الألم، والجمال مع القبح والمدح مع الذمّ..هكذا هيّ روح الكتابة السّاخرة، تصرّح وتثير وتضحك إلى حدّ البكاء والدعوة إلى التأمّل، كيف مررنا على أحداث بلا ذاكرة ولا مساءلة؟..وكيف سكتنا على الطّغاة والفاسدين وقتلة الحبّ؟..
كثيرة هيّ القضايا والأفكار التي تناولتها القصص، منها التحرّش الجنسي والفساد المالي والإداري والفقر والجوع ووعود السياسيين وكواليس خطاب فخامة الرّئيس والجمعيّات الخيريّة المشبوهة وعيد الحبّ وغيرها من المواضيع الحيّة التي تلتقطها الكاتبة من حياتها اليوميّة ومن وسائل الإعلام والفايس بوك، المهمّ أنّها تقتنص التّفاصيل والوقائع كما تجري في الحياة اليوميّة، لكنّها تصوغها بمهارة وروح مرحة مستدعية كما أشرت فنّ الكاريكاتور وما ينتجه من صور مقرفة ومقززة تنقلنا في بعض الوقائع إلى العوالم الرّمزيّة والعجائبيّة كما حضر ذلك في قصّتي إنّها تمطر والخطاب التّاريخي لفخامة السيّد الرّئيس.. في القصّتين فعلا استعانت الكاتبة بالخيال العجائبي أو الفانتاستيك كما يسمّيه تودوروف لتنقل ما يجري في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في تونس من تصادم محموم بين هموم الشّعب ووعود السّياسي التي لا تتحقّق طبعا..
تقول الكاتبة في قصّة إنّها تمطر:
«رفع عمّي سالم عينيه إلى السّماء من جديد..كانت الذّكور قد بدأت تتنادى سوداء كالإثم..تتّخذ شكل غمامات كبيرة داكنة..حتّى استوت الظّلمة فلمع البرق..وقصف الرّعد..وأمطر السواد..سائلا أصفر كريه الرّائحة..وأسرعت ذراعا عمّي سالم تحرّك العجلات ..ليحتمي بساحة المقهى المغطّاة..وتسارعت الزّخات العفنة...فتبلّلت رؤوس الرّجال المحتجّين في الشّوارع»(ص 31)..
إنّها تمطر حقّا، تمطر خرابا ويأسا وحزنا على ما آلت إليه البلاد من فوضى وحزن ويأس..لم يكن العمّ سالم إلا نموذجا من الشّعب المقهور وقد دهسته الحكومات التى تواترت على الحكم بعد الثّورة...
وفي الحقيقة، تعمّقت روح السّخرية في أقاصيص بلقيس خليفة بدقّة استدعائها للدّارجة التّونسيّة ، الدّارجة في صراحتها ووقاحتها وطرافتها وهو ما أكسب كلّ قصص المجموعة هذه الرّوح التونسيّة، فأنت تتحرّك في فضاءات تونسيّة، تعيش بها، أو تمرّ بتفاصيلها أو تصلك روائحها وهذا مهمّ في تأصيل النصّ وتنشيطه حتى يتفاعل القارئ بكلّ حواسه مع ما يقرأ..
وصورة القارئ تقودنا إلى عوالم الشّكل القصصي الذي رتّبته الكاتبة في قصصها، قلنا في البداية إنّها مرّت إلى طور تدمير الحبكة القصصيّة التّقليديّة، هذا جيدّ، لكن، باتّجاه ماذا؟..التجريب؟، أم الفوضى كما يسمي ذلك العديد من النقّاد والكتّاب..
بلقيس خليفة، وهذا مهمّ على وعي بضوابط القصّة القصيرة وحدودها، وهي لا تتوقّف عند حدود ذلك، لا تطمئنّ، يسكنها ذلك القلق، ذلك المخيال المجنون لترتّب تصوّراتها الجماليّة التي تنسجم، لاشكّ مع روح السّخرية التي ميّزت متنها القصصي..
لعلّ من أهمّ الزّوايا الفنيّة التي شملها التأمّل العميق في بناء القصّة مسألة مهمّة ومسكوت عنها في فعل الكتابة، أتحدّث في هذا المستوى عن الكاتب والرّاوي والنّاقد.. ( البطل لم يدخل هذه المعمعة)..
من يكتب النصّ فعلا؟..وهل من الحتميّ أن تكون ذات الكاتب محايدة حتى يضطلع الرّاوي بدوره بأشكال أكثر إقناعا؟..ثمّ من يصغي إلى الآخر، الكاتب أم النّاقد؟، بمعنى آخر هل الإبداع سابق أمّ النّقد هو الذي يؤسس لضوابط الإبداع الصّارمة ؟..هذه الأسئلة في الواقع أثارتها بلقيس خليفة بسلاسة وذكاء من أجل عيون القارئ الفطن، ألم يقل بورخيس متحدّثا عن القارئ: « أن تجد قارئا جيّدا أصعب من أن تجد كاتبا جيّدا»؟..
بلقيس خليفة كاتبة تتفاوض مع الرّاوية وتتصادم معها أيضا من أجل تصوّر منطقى لبناء الأحداث، وفي الأصل من أجل إقناع القارئ، وإخماد فتنة النبّارة، وما أكثرهم تنبيرا على الأدب التونسي!..مقابل ماذا؟..مقابل اصطفاف البعض أمام مزابل ما ينشر في المشرق خاصّة( قلت البعض)..ثمّ ينشرون صورهم في بلاهة وقلّة حياء مع الأشباه إناثا وذكورا..ما شأننا بهم الآن يا عيسى المؤدّب؟، لنعد إلى بلقيس خليفة وهي كاتبة تونسيّة مجنونة فعلا..
بلقيس خليفة تورد التّعليق النّقدي وتقترح خاتمة ثانية بعد مفاوضات عسيرة مع الرّاوية، والصّدام بين الكاتبة والرّاوية لا يتوقّف في أغلب القصص،إنّه حوار ساخن ومحموم من أجل الإقناع أو إيراد نهايات مخاتلة أومفاجئة وهو ما ورد في قصّة « شمس وبحر ويقطين»:
« ما صرّح به أحد النقّاد..نقلا عن صحفي بمجلّة المنتدى المختصّة في الأدب:
في حوار لم تنشره المجلّة حول هذه القصّة، كشفت الكاتبة بلقيس خليفة على نحو مفاجئ وغريب أنّ الرّاوية هيّ من جرّها لإنهاء القصّة على هذا النّحو..وهي من اختارت الخاتمة بدلا عنها..فقد أرادت الكاتبة أن تتوقّف الحكاية عند محاولة إنقاذ المرأة لزوجها الغريق، بالتنفّس الاصطناعي وضحك بقيّة الحاضرين..لكنّ الرّاوية أصرّت على المضيّ بالأحداث حتّى تتاح لها فرصة لقاء الشّاب مرّة أخرى ..وهو ما يدلّ على افتتانها به..وهي من الحوادث النّادرة التي يمكن ان تقع في كتابة نصّ قصصي..»(ص74)
في الحقيقة توقّفت كثيرا عند عوالم بلقيس خليفة القصصيّة،وأذهلتني دقّة اقتناصها لمفردات بعينها وإيرادها للتّفاصيل رغم أنّ القصّة القصيرة لا تحفل بالتّفاصيل بالإضافة إلى جرأة التّناول، هذه الكاتبة لا تخاف ولا ترتبك، ترتّب عالمها القصصي كما تحبّ،كما يشتهي دماغها المقلوب أحيانا، والشّرس أيضا..في مجموعتها القصصيّة الثّانية أكّدت الكاتبة على امتلاك كلّ آليات الكتابة الأدبيّة السّاخرة في تونس، وهي كتابة نادرة بهذا الشّكل على ما أظنّ..كتابة تستحوذ، كما أعرف على اهتمام الكثير من النّاس، من هذا الشّعب المغبون، إنّه يفتقد الضّحكة النّاعمة، أليس كذلك؟..

بقلم: محمّد عيسى المؤدّب
الاعلامية والممثلة رشا الخطيب في تونس
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:53
تونس - الشروق اون لاين - منى البوعزيزي: تزور غدا الاعلامية و الممثلة الشابة رشا الخطيب تونس في زيارة عمل.
المزيد >>
لقاء مع... الباحث محمد المي لـ«الشروق».. نعيش خرابا ثقافيا بعد الثورة!
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
كانت مئوية اب الرواية التونسية البشير خريف ستمر في صمت لولا مبادرة الباحث محمد المي التي لقيت استجابة من...
المزيد >>
مدير مهرجان الحوض المنجمي الشاعر محمد عمار شعابنية يلوّح بالاستقالة
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
هدد الشاعر محمد عمار شعابنية بالاستقالة من ادارة مهرجان الحوض المنجمي الذي تاجل اكثر من مرة بسبب غياب الدعم...
المزيد >>
إصدارات
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عن دار رسلان صدرت للقاصة نبيلة احمد مجموعتها الاولى بعنوان آخر الدنيا تضمنت ثمانية قصص قدمت لها الشاعرة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مجرّد رأي في المجموعة القصصيّة ..«ابتسم...إنّها تمطر» للكاتبة بلقيس خليفة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 نوفمبر 2017

ابتسم...إنّها تمطر مجموعة قصصيّة جديدة للكاتبة بلقيس خليفة صدرت عن دار المنتدى للثّقافة والإعلام، وبلقيس خليفة كاتبة مشاكسة ومرحة، هكذا عرفتها في مجموعتها القصصيّة الأولى «ملاحظات عابرة» وخاصّة في حرصها على تعميق روح السّخرية وتعدّد الأصوات وتنوّع زوايا الرّؤية السّرديّة..تكتب قصّتها بدماغ مقلوب،وتشاكس الجميع، تشاكس الرّاوي والنّاقد والقارئ خاصّة..
في مجموعتها « ابتسم ..إنّها تمطر « مرّت بلقيس خليفة إلى طور تدمير الحبكة القصصيّة التّقليديّة، طور يحتاج طبعا إلى جرأة ودماغ متمرّد..وعمّقت أكثر مفاوضاتها وصراعاتها مع الجماعة، الرّاوي والنّاقد والقارئ..
قصص بلقيس خليفة تنتمي فعلا إلى الأدب السّاخر، الأدب الذي يستنفر فيه الكاتب تجربته وسعة اطّلاعه ومعرفته بفنّ الكاريكاتور في ثلاثيّة التّضخيم والضّمور والمبالغة بالإضافة إلى المرح، والكاتبة لا ينقصها المرح...
من أهمّ العتبات التي تميّز المجموعة القصصيّة عتبة العناوين، العنوان العامّ والجامع ، ابتسم...إنّها تمطر، يقوم لغويّا على القطع بين جملتين، الأولى إنشائيّة والثانية خبريّة وهو ما يوحي بجوهر المفارقة التي تميّز مضامين القصص التي انتخبتها الكاتبة في مجموعتها، أمّا العناوين الفرعيّة فتغلب عليها البساطة والمشاكسة..مع محافظة الكاتبة على نقاطها الثّلاث في بعض العناوين للفصل بين جملتين أو مكوّنين لغويين تعميقا لملامح السّخرية وقد تخيّرتها خليفة منحى مميّزا في الكتابة..
استدعت الكاتبة الحياة كما تجري في الواقع بكلّ تلويناتها وتناقضاتها الاجتماعيّة والنفسيّة وبأشكالها السلبيّة في السياسة والمجتمع أحداثا وحكايات وشخصيّات ..تفعل كلّ ذلك مع أحداث نعيشها وحكايات نسمع عنها وشخصيّات تثيرنا ولكنّنا نتجاوزها، غير أنّ الكاتبة تحسن اقتناص كلّ ذلك وتنشر الغسيل بتحليل عميق تنتفض فيه الضّحكة مع الألم، والجمال مع القبح والمدح مع الذمّ..هكذا هيّ روح الكتابة السّاخرة، تصرّح وتثير وتضحك إلى حدّ البكاء والدعوة إلى التأمّل، كيف مررنا على أحداث بلا ذاكرة ولا مساءلة؟..وكيف سكتنا على الطّغاة والفاسدين وقتلة الحبّ؟..
كثيرة هيّ القضايا والأفكار التي تناولتها القصص، منها التحرّش الجنسي والفساد المالي والإداري والفقر والجوع ووعود السياسيين وكواليس خطاب فخامة الرّئيس والجمعيّات الخيريّة المشبوهة وعيد الحبّ وغيرها من المواضيع الحيّة التي تلتقطها الكاتبة من حياتها اليوميّة ومن وسائل الإعلام والفايس بوك، المهمّ أنّها تقتنص التّفاصيل والوقائع كما تجري في الحياة اليوميّة، لكنّها تصوغها بمهارة وروح مرحة مستدعية كما أشرت فنّ الكاريكاتور وما ينتجه من صور مقرفة ومقززة تنقلنا في بعض الوقائع إلى العوالم الرّمزيّة والعجائبيّة كما حضر ذلك في قصّتي إنّها تمطر والخطاب التّاريخي لفخامة السيّد الرّئيس.. في القصّتين فعلا استعانت الكاتبة بالخيال العجائبي أو الفانتاستيك كما يسمّيه تودوروف لتنقل ما يجري في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في تونس من تصادم محموم بين هموم الشّعب ووعود السّياسي التي لا تتحقّق طبعا..
تقول الكاتبة في قصّة إنّها تمطر:
«رفع عمّي سالم عينيه إلى السّماء من جديد..كانت الذّكور قد بدأت تتنادى سوداء كالإثم..تتّخذ شكل غمامات كبيرة داكنة..حتّى استوت الظّلمة فلمع البرق..وقصف الرّعد..وأمطر السواد..سائلا أصفر كريه الرّائحة..وأسرعت ذراعا عمّي سالم تحرّك العجلات ..ليحتمي بساحة المقهى المغطّاة..وتسارعت الزّخات العفنة...فتبلّلت رؤوس الرّجال المحتجّين في الشّوارع»(ص 31)..
إنّها تمطر حقّا، تمطر خرابا ويأسا وحزنا على ما آلت إليه البلاد من فوضى وحزن ويأس..لم يكن العمّ سالم إلا نموذجا من الشّعب المقهور وقد دهسته الحكومات التى تواترت على الحكم بعد الثّورة...
وفي الحقيقة، تعمّقت روح السّخرية في أقاصيص بلقيس خليفة بدقّة استدعائها للدّارجة التّونسيّة ، الدّارجة في صراحتها ووقاحتها وطرافتها وهو ما أكسب كلّ قصص المجموعة هذه الرّوح التونسيّة، فأنت تتحرّك في فضاءات تونسيّة، تعيش بها، أو تمرّ بتفاصيلها أو تصلك روائحها وهذا مهمّ في تأصيل النصّ وتنشيطه حتى يتفاعل القارئ بكلّ حواسه مع ما يقرأ..
وصورة القارئ تقودنا إلى عوالم الشّكل القصصي الذي رتّبته الكاتبة في قصصها، قلنا في البداية إنّها مرّت إلى طور تدمير الحبكة القصصيّة التّقليديّة، هذا جيدّ، لكن، باتّجاه ماذا؟..التجريب؟، أم الفوضى كما يسمي ذلك العديد من النقّاد والكتّاب..
بلقيس خليفة، وهذا مهمّ على وعي بضوابط القصّة القصيرة وحدودها، وهي لا تتوقّف عند حدود ذلك، لا تطمئنّ، يسكنها ذلك القلق، ذلك المخيال المجنون لترتّب تصوّراتها الجماليّة التي تنسجم، لاشكّ مع روح السّخرية التي ميّزت متنها القصصي..
لعلّ من أهمّ الزّوايا الفنيّة التي شملها التأمّل العميق في بناء القصّة مسألة مهمّة ومسكوت عنها في فعل الكتابة، أتحدّث في هذا المستوى عن الكاتب والرّاوي والنّاقد.. ( البطل لم يدخل هذه المعمعة)..
من يكتب النصّ فعلا؟..وهل من الحتميّ أن تكون ذات الكاتب محايدة حتى يضطلع الرّاوي بدوره بأشكال أكثر إقناعا؟..ثمّ من يصغي إلى الآخر، الكاتب أم النّاقد؟، بمعنى آخر هل الإبداع سابق أمّ النّقد هو الذي يؤسس لضوابط الإبداع الصّارمة ؟..هذه الأسئلة في الواقع أثارتها بلقيس خليفة بسلاسة وذكاء من أجل عيون القارئ الفطن، ألم يقل بورخيس متحدّثا عن القارئ: « أن تجد قارئا جيّدا أصعب من أن تجد كاتبا جيّدا»؟..
بلقيس خليفة كاتبة تتفاوض مع الرّاوية وتتصادم معها أيضا من أجل تصوّر منطقى لبناء الأحداث، وفي الأصل من أجل إقناع القارئ، وإخماد فتنة النبّارة، وما أكثرهم تنبيرا على الأدب التونسي!..مقابل ماذا؟..مقابل اصطفاف البعض أمام مزابل ما ينشر في المشرق خاصّة( قلت البعض)..ثمّ ينشرون صورهم في بلاهة وقلّة حياء مع الأشباه إناثا وذكورا..ما شأننا بهم الآن يا عيسى المؤدّب؟، لنعد إلى بلقيس خليفة وهي كاتبة تونسيّة مجنونة فعلا..
بلقيس خليفة تورد التّعليق النّقدي وتقترح خاتمة ثانية بعد مفاوضات عسيرة مع الرّاوية، والصّدام بين الكاتبة والرّاوية لا يتوقّف في أغلب القصص،إنّه حوار ساخن ومحموم من أجل الإقناع أو إيراد نهايات مخاتلة أومفاجئة وهو ما ورد في قصّة « شمس وبحر ويقطين»:
« ما صرّح به أحد النقّاد..نقلا عن صحفي بمجلّة المنتدى المختصّة في الأدب:
في حوار لم تنشره المجلّة حول هذه القصّة، كشفت الكاتبة بلقيس خليفة على نحو مفاجئ وغريب أنّ الرّاوية هيّ من جرّها لإنهاء القصّة على هذا النّحو..وهي من اختارت الخاتمة بدلا عنها..فقد أرادت الكاتبة أن تتوقّف الحكاية عند محاولة إنقاذ المرأة لزوجها الغريق، بالتنفّس الاصطناعي وضحك بقيّة الحاضرين..لكنّ الرّاوية أصرّت على المضيّ بالأحداث حتّى تتاح لها فرصة لقاء الشّاب مرّة أخرى ..وهو ما يدلّ على افتتانها به..وهي من الحوادث النّادرة التي يمكن ان تقع في كتابة نصّ قصصي..»(ص74)
في الحقيقة توقّفت كثيرا عند عوالم بلقيس خليفة القصصيّة،وأذهلتني دقّة اقتناصها لمفردات بعينها وإيرادها للتّفاصيل رغم أنّ القصّة القصيرة لا تحفل بالتّفاصيل بالإضافة إلى جرأة التّناول، هذه الكاتبة لا تخاف ولا ترتبك، ترتّب عالمها القصصي كما تحبّ،كما يشتهي دماغها المقلوب أحيانا، والشّرس أيضا..في مجموعتها القصصيّة الثّانية أكّدت الكاتبة على امتلاك كلّ آليات الكتابة الأدبيّة السّاخرة في تونس، وهي كتابة نادرة بهذا الشّكل على ما أظنّ..كتابة تستحوذ، كما أعرف على اهتمام الكثير من النّاس، من هذا الشّعب المغبون، إنّه يفتقد الضّحكة النّاعمة، أليس كذلك؟..

بقلم: محمّد عيسى المؤدّب
الاعلامية والممثلة رشا الخطيب في تونس
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:53
تونس - الشروق اون لاين - منى البوعزيزي: تزور غدا الاعلامية و الممثلة الشابة رشا الخطيب تونس في زيارة عمل.
المزيد >>
لقاء مع... الباحث محمد المي لـ«الشروق».. نعيش خرابا ثقافيا بعد الثورة!
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
كانت مئوية اب الرواية التونسية البشير خريف ستمر في صمت لولا مبادرة الباحث محمد المي التي لقيت استجابة من...
المزيد >>
مدير مهرجان الحوض المنجمي الشاعر محمد عمار شعابنية يلوّح بالاستقالة
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
هدد الشاعر محمد عمار شعابنية بالاستقالة من ادارة مهرجان الحوض المنجمي الذي تاجل اكثر من مرة بسبب غياب الدعم...
المزيد >>
إصدارات
23 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عن دار رسلان صدرت للقاصة نبيلة احمد مجموعتها الاولى بعنوان آخر الدنيا تضمنت ثمانية قصص قدمت لها الشاعرة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
الأحزاب .... وغياب المشاركة السياسية !
أعلن أمس الأستاذ نجيب الشابي عن تأسيس حزب سياسي جديد هو الحزب رقم 208 تحت اسم « الحركة الديمقراطية « وهو حزب وسطي يستند الى الإرث الاصلاحي التونسي ويهدف الى المحافظة على مكاسب تونس...
المزيد >>