قراءة أولية في مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية (1 ـ 3)
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>
قراءة أولية في مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية (1 ـ 3)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أكتوبر 2017

توطئة
تتطرق هذه الورقة لمؤسسة المجلس البلدي والمجلس الجهوي كما اقترحها مشروع القانون الحالي لجماعات المحلية وعلاقتهما بالمخططات التنموية وتأمين الصلاحيات القانونية والترتيبية التي منحها لهما القانون، وغياب علاقة الترابط بين البلدية والمجلس الجهوي في ظل ظهور جُملة من المؤسسات التنفيذية والرقابية والتنسيقية ومواطن الخلل فيها.
وقد اخترنا أن لا نتطرق لموضوع التمويل العمومي وما يطرحه من حلول تعتمد آليات التسوية والتعديل كما نص عليها مشروع القانون الحالي للجماعات اعتمادا على مبدإ التمييز الإيجابي الوارد بدستور 2014 بما يتضمنه هذا القانون من هنّات، لأننا نعتقد أن هذه النواقص لا يجب أن تُعيق الذهاب نحو تنظيم لا مركزي جديد يمكن أن يضمن الحد الأدنى من حرية التدبير والفعل الجهوي مع العمل على توفير شروطه ولو على مراحل ،وكذلك لأن الحديث سيطول في هذا الجانب وسيَطغى على عملية تعـريف أدوار المجالس المُنتخبة بلديا وجهويا و مواطن الخلل فيها ،وهو في رأينا الأمر الأهم لأنه سيُحدد هندسة الإدارة الجهوية وفعلها المستقبلي هيكليا ووظيفيا و لو تم العمل بالتصور الحالي فإنه سيصعب في المدى القريب أو المتوسط إصلاحه . وهو ما سيتسبب في هدر دهرا من الزمن لن تستطيع البلاد تحمل تبعاته .
التنظيم اللامركزي في قانون الجماعات المحلية (17 ماي 2017 )
فلسفة البعد الجهوي والمحلي :
إن أهم استنتاج يحصل لدينا عند دراسة الباب السابع من دستور 2014 وخاصة من مشروع مجلة الجماعات العمومية المحلية هو القفز على المؤسسات الجهوية وتغليب البعد المحلي، من خلال إسناد جل الصلاحيات الإدارية للبلديات كنتيجة حتمية لتغطية التراب التونسي بالنظام البلدي، في مجتمع لازال ريفيا بنسبة 65 % إضافة إلى غياب المعرفة لدى عامته مثل نخبته بالعمل الإداري وإدارة العملية التنموية وتركه للأمر بيد الإدارة المركزية و مؤسسة الوالي منذ 1956.
فقد تقلص مجال نفوذ المجالس الجهوية ترابيا وديموغرافيا بمقتضى الأمر عدد 602 المؤرخ في 17 ماي 2016 و تقلصت معه الصلاحيات بجميع أصنافها ومستوياتها، تبعا لما يقترحه مشروع قانون الجماعات المحلية الجديد، في فترة تحتاج فيها الجهة إلى إفراز قيادات جهوية تكون قادرة عبر مراكمة التجربة على التشخيص والبرمجة والتنفيذ والمراقبة ومعاضدة المركز من خلال تحويل الجهة إلى فاعل اقتصادي واجتماعي يمارس شراكة وطنية مسؤولة وواعية ويبتعد عن خطاب المظلومية ويطرح بدائل تعبر عن حاجات الواقع الجهوي بموضوعية.
أما الاستنتاج الآخر الهام والذي نستخلصه من قراءة المجلة فهو ضمور البعد التنموي الجهوي في التصور العام لواضعي هذا المشروع ولعل الفصل الأول من المجلة يلخص فلسفة هذا القانون الذي « يهدف إلى ضبط القواعد المتعلقة بتنظيم هياكل السلطة المحلية وصلاحياتها وطرق تسييرها بما يحقق اللامركزية والديمقراطية التشاركية في إطار وحدة وطنية»( الفصل عدد1 )فالغاية القصوى إذا، هي تحقيق الديمقراطية التشاركية وليس التنمية الاقتصادية أو البشرية ، وكأن ممارسة الديمقراطية التشاركية هي غاية في حد ذاتها .
ونعتقد أن من صاغ هذا الفصل قادته فلسفة تُعطي أهمية للعملية السياسية على حساب التنمية وقد تمت ترجمة هذه الفلسفة في كل الفصول اللاحقة التي أولت اهتماما خاصا بإدارة العملية السياسية على المستوى المحلي ووضعت لها ميكانيزمات ومؤسسات بيروقراطية متطورة في عناوينها ولكنها لم تُولي طبيعة المرحلة والنسق المجتمعي الراهن أيّ اهتمام، نافية دور القيادة البشرية وقدرتها على التفاعل مع طبيعة مجتمعنا الذي لايزال يعاني من ظاهرة القبلية والجهوية، حيث لا يمكن فضّ المشاكل الناجمة عن تنازع المصالح بين المؤسسات باللجوء إلى المحاكم الإدارية أو الغرف الجهوية للمحاسبات ، وإنما لازال يحتاج إلى سلطة وتأثير القيادة الجهوية والمحلية، حيث يضل دور الفاعل السياسي مؤثرا بل ومطلوبا ضمن مجتمع لا يملك ثقافة المؤسسات ويحتاج إلى فترة من الزمن لتمثل جملة المفاهيم الجديدة، وفي الأثناء لابد للعملية التنموية أن تتقدم دون عراقيل جديدة، ونرى أنه يتوجب حتما تنقيح الفصل الأول بالتنصيص على أن التنمية الجهوية هي أحد أهم أهداف التنظيم اللامركزي وهو ما سيؤثر حتما على فلسفة الصياغة العامة للمجلة.
وقد سجلنا كذلك خلطا واضحا في استعمال مصطلحي «المحلي» و«الجهوي» ضمن مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية ومثال ذلك مضمون الفصلين 28 و 33 من المجلة و كذلك ضمن الجزء المتعلق بشرح الأسباب ومردُ ذلك في رأينا هو الاعتماد على الأدبيات الفرنسية التي اعتمدت مصطلح «المحلي» منذ 1789 ولم يظهر عندهم مصلح الجهة بما يعنيه من مضامين واستتباعات قانونية إلا سنة 1956 ثم تأكد في أواخر القرن العشرين حيث تم بعث مجالس جهوية تحمل اسم الجهة (قانون 5 جويلية لسنة 1972، الفصل عدد1 )، فالمحلي في فرنسا ( البلدية ) هو الوحدة الأساسية التي تأسست على قاعدتها الجمهورية ولم يتم الالتجاء إلى الجهة كمصطلح وأداة مؤسساتية للتنسيق ( فقط) بين البلديات إلا في أواخر القرن العشرين، لذلك سمي المجلس الجهوي عندهم في الأصل "بالمجلس الجهوي للبلديات"إذ لا وجود للجهة كمجال ترابي أو سكاني في فرنسا إلا بشكل هامشي، وبالتالي فإنه لا قيمة لهذا المستوى من التنظيم الإداري في الثقافة الفرنسية التي عرفت التطور الصناعي والاقتصادي والعمراني والثقافي مع مؤسسة البلدية، في حين استقر في وعي المواطن التونسي أن المجلس الجهوي هو قاطرة التنمية وستضل هذه القناعة راسخة في اللاوعي الجمعي إلى حين، وفي الأثناء نحن بحاجة للبحث عن أنجع السبل لتأطير وقيادة الرأي العام الجهوي عبر عملية فرز طبيعية للعناصر الأكثر قدرة على تشخيص الواقع الجهوي والتعبير عنه من خلال العمل والدربة ضمن المجالس الجهوية ، من أجل ضمان تنمية عادلة ومتوازنة بين الجهات ، خاصة في ضل شح الإمكانات المالية للدولة على المدى المتوسط وربما البعيد. ودون الإطالة في الخوض في هذا الباب لأن المجال لا يتسع له، نرى أنه لابد من توضيح مجال المصطلحين ضمن القانون الأساسي للمجلة و الالتزام بالدقة في استعمالهما وعدم القفز على الجهوي نحو المحلي في صياغة الخطاب وإعداد التصورات على مستوى المجلة ، وهو ما سنحاول إبرازه ، دون التشكيك في دستورية المشروع المقترح حيث أن الدستور الحالي يحتمل أكثر من اجتهاد في مجال اللامركزية وهذه المجلة هي واحدة من هذه القراءات ولكنها ليست حجة على أي اجتهاد آخر ما لم يخالف دستور 2014.
تعميم النظام البلدي
المجلس البلدي هو صنف من أصناف الجماعات العمومية المحلية وهو «يمارس الصلاحيات الذاتية التي تكتسي بعدا جهويا بحكم مجال تطبيقها» طبقا للفصل 18 من مشروع مجلة الجماعات العمومية المحلية وتتمتع الجهة بصلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية (الفصل 288) مثل باقي الجماعات المحلية وهو يختص «مبدئيا بتصريف الشؤون البلدية والبت فيها (فصل 322) وهو يتولى «بوصفه مكلفا من طرف الدولة» بتنفيذ القوانين والتراتيب الجاري بها العمل بالبلدية والقيام بكل الوظائف التي يسندها القانون لرئيسه» (الفصل 288) وهو مدعو بمقتضى الفصول 110و 160 و 164 لإعداد المخططات التنموية وأمثلة التهيئة العمرانية وعرضها على أمانة المال الجهوي التي يحق لها طلب توضيحات, ثم يتم تقديمها إلى المصالح المركزية قصد المصادقة عليها وفتح الإعتمادات المخصصة لتنفيذ البرامج، وهو يخضع للسلطة الرقابية لأمانة المال ومؤسسة الوالي بالجهة كما يخضع للسلطة الرقابيّة للمجلس الأعلى للجماعات والهيئة العليا للمالية المحلية والإدارة المركزية.
وقد تم في إطار تنفيذ من جاء بالفصلين 14 من دستور 2014, إصدار الأمر عدد 601 بتاريخ 17 ماي 2016 المتعلق بإحداث بلديات جديدة والأمر عدد 602 بتاريخ 17ماي 2016، المتعلق بتعميم النظام البلدي ،حيث اقتضى هذا الأمر توسيع المجال الترابي للبلديات ليشمل التجمعات السكنية الريفية بالاعتماد على ثلاثة مؤشرات هامة وهي الكثافة الديموغرافية والمسافة الفاصلة بينها وبين مقر البلدية وطبيعة الطبوغرافية الجغرافية للمجال الترابي المعني.
وقد أدى هذا الإجراء إلى الرفع من متوسط نسبة المجال البلدي إلى 75% على مستوي وطني وتمثل الـ:25% المتبقية المناطق الصحراوية والغابية الغير المأهولة بالسكان.
وبينما يُعد الأمر عدد 601 المتعلق بإحداث بلديات جديدة ضروريا بالنظر للكثافة الديموغرافية للتجمعات السكنية المُستهدفة ولغياب الخدمات الجوارية والمرافق العمومية وتَعطّل العملية التنموية بهذه التجمعات السكانية فإن مبدأ تعميم النظام البلدي (طبقا للأمر عدد602) يطرح أكثر من إشكال على مستوى التنفيذ والمتابعة وتحقيق المردودية المُفترضة نظريا، إذ أن جلّ بلديات المُحدثة قبل سنة 2011 قد عجزت على تحسين البنية التحتية ضمن مجالها الترابي, وتجويد المرفق العام بسبب قلة الموارد المالية الذاتية والمُحالة من الدولة وكذلك بسبب ضعف الموارد البشرية وعدم تطوير النظام التشريعي المالي والإداري لصالح الجماعات المحلية لذلك نتساءل كيف لهذه البلديات أن تتحمل مسؤولية تجمعات سكانية جديدة يفصلها عن مركز البلدية متوسط مسافة 15كم و كذلك أودية و هضاب و جبال في مواقع متعددة،إذ يتحتم على هذه البلديات تقديم الخدمات الجوارية من تعبيد وترصيف وتنوير عمومي وإنشاء مناطق خضراء ورفع الفضلات,إضافة إلى العناية بالمرافق العمومية الموجودة والعمل على توفير المرافق والخدمات الإدارية الغير متوفرة (أنظر الفصول عدد: 13و16و17و232 من مشروع مجلة الجماعات المحلية).
ولا نرى كيف يمكن للبلديات الحالية بصفتها الجديدة أن تُشرف على المشاريع القطاعية الجهوية( تصّورا وتنفيذا و متابعة) في ظل غياب العنصر البشري وعدم توفر الخبرة الكافية للمصالح الفنية بالبلديات للتعامل مع هذا الصنف من المشاريع (أو على الأقل لجزء هام منه) والذي كانت تشرف على إنجازه مصالح المجلس الجهوي و راكمت في شأنه خبرات بشرية هامة لا يمكن في اللحظة الراهنة الاستغناء عنها رغم النقائص المسجلة في شأنها (أنضر الفصل عدد 16 من المجلة).
وهل يمكن لهذه البلديات أن تصمد في وجه مظاهر التوتر الاجتماعي الذي سَينتج حتما بسبب مُطالبة سكان التجمعات السكانية الريفية بحقهم في الخدمات البلدية كما ينص عليه الفصل 232 من المجلة,إذ في انتظار أن تتعزز الموارد الذاتية للجماعات المحلية كما ينص على ذلك الفصل عدد 8 و عدد 124 من مشروع المجلة (و هو أمر شبه مستحيل بالنسبة للبلديات ذات الطابع لفلاحي) وكذلك تطوير الموارد المُحالة من الدولة (أنظر فصل 101 و 139 من المجلة) لإنجاز المرافق العمومية والبني التحتية, فإن طبيعة المرحلة ستفرض على البلديات صراعا حادا مع سكانها بحكم عجزها المتوقع على تلبية حاجاتهم الشرعية بحكم النص القانوني.
وإننا وإن كنا نؤمن بهذا الحق, وأكثر من ذلك، إذ نرى أنه لا تنمية جهوية بدون تطوير الفضاء الريفي, فإن أسلوب معالجته سيخلق تعقيدات إدارية جديدة, ستزيد من تأزم الوضع التنموي في الجهات وتعطيل نسق الإصلاح المطلوب, إذ سيتشتت جهد الإدارات والمصالح الفنية، على قلة مواردها البشرية، في معالجة كل الملفات التنموية والاجتماعية وغيرها على مستوى محلي بعد أن كانت في الجانب الأهم منها تعالج على مستوى جهوي, وهو ما سيتسيب في إهدار الوقت والطاقة و ربما استحالة التوفيق (بشريا) في الاستجابة إلى طلبات البلديات وهو ما يعني تعطيل نسق الانجاز و إرهاق الإدارة الجهوية و خلق حالة من التوتر الإداري الدائمة و انقطاع التواصل بين مختلف المتدخلين.
يتبع

بقلم: د. شكري التيساوي
القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
قراءة أولية في مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية (1 ـ 3)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أكتوبر 2017

توطئة
تتطرق هذه الورقة لمؤسسة المجلس البلدي والمجلس الجهوي كما اقترحها مشروع القانون الحالي لجماعات المحلية وعلاقتهما بالمخططات التنموية وتأمين الصلاحيات القانونية والترتيبية التي منحها لهما القانون، وغياب علاقة الترابط بين البلدية والمجلس الجهوي في ظل ظهور جُملة من المؤسسات التنفيذية والرقابية والتنسيقية ومواطن الخلل فيها.
وقد اخترنا أن لا نتطرق لموضوع التمويل العمومي وما يطرحه من حلول تعتمد آليات التسوية والتعديل كما نص عليها مشروع القانون الحالي للجماعات اعتمادا على مبدإ التمييز الإيجابي الوارد بدستور 2014 بما يتضمنه هذا القانون من هنّات، لأننا نعتقد أن هذه النواقص لا يجب أن تُعيق الذهاب نحو تنظيم لا مركزي جديد يمكن أن يضمن الحد الأدنى من حرية التدبير والفعل الجهوي مع العمل على توفير شروطه ولو على مراحل ،وكذلك لأن الحديث سيطول في هذا الجانب وسيَطغى على عملية تعـريف أدوار المجالس المُنتخبة بلديا وجهويا و مواطن الخلل فيها ،وهو في رأينا الأمر الأهم لأنه سيُحدد هندسة الإدارة الجهوية وفعلها المستقبلي هيكليا ووظيفيا و لو تم العمل بالتصور الحالي فإنه سيصعب في المدى القريب أو المتوسط إصلاحه . وهو ما سيتسبب في هدر دهرا من الزمن لن تستطيع البلاد تحمل تبعاته .
التنظيم اللامركزي في قانون الجماعات المحلية (17 ماي 2017 )
فلسفة البعد الجهوي والمحلي :
إن أهم استنتاج يحصل لدينا عند دراسة الباب السابع من دستور 2014 وخاصة من مشروع مجلة الجماعات العمومية المحلية هو القفز على المؤسسات الجهوية وتغليب البعد المحلي، من خلال إسناد جل الصلاحيات الإدارية للبلديات كنتيجة حتمية لتغطية التراب التونسي بالنظام البلدي، في مجتمع لازال ريفيا بنسبة 65 % إضافة إلى غياب المعرفة لدى عامته مثل نخبته بالعمل الإداري وإدارة العملية التنموية وتركه للأمر بيد الإدارة المركزية و مؤسسة الوالي منذ 1956.
فقد تقلص مجال نفوذ المجالس الجهوية ترابيا وديموغرافيا بمقتضى الأمر عدد 602 المؤرخ في 17 ماي 2016 و تقلصت معه الصلاحيات بجميع أصنافها ومستوياتها، تبعا لما يقترحه مشروع قانون الجماعات المحلية الجديد، في فترة تحتاج فيها الجهة إلى إفراز قيادات جهوية تكون قادرة عبر مراكمة التجربة على التشخيص والبرمجة والتنفيذ والمراقبة ومعاضدة المركز من خلال تحويل الجهة إلى فاعل اقتصادي واجتماعي يمارس شراكة وطنية مسؤولة وواعية ويبتعد عن خطاب المظلومية ويطرح بدائل تعبر عن حاجات الواقع الجهوي بموضوعية.
أما الاستنتاج الآخر الهام والذي نستخلصه من قراءة المجلة فهو ضمور البعد التنموي الجهوي في التصور العام لواضعي هذا المشروع ولعل الفصل الأول من المجلة يلخص فلسفة هذا القانون الذي « يهدف إلى ضبط القواعد المتعلقة بتنظيم هياكل السلطة المحلية وصلاحياتها وطرق تسييرها بما يحقق اللامركزية والديمقراطية التشاركية في إطار وحدة وطنية»( الفصل عدد1 )فالغاية القصوى إذا، هي تحقيق الديمقراطية التشاركية وليس التنمية الاقتصادية أو البشرية ، وكأن ممارسة الديمقراطية التشاركية هي غاية في حد ذاتها .
ونعتقد أن من صاغ هذا الفصل قادته فلسفة تُعطي أهمية للعملية السياسية على حساب التنمية وقد تمت ترجمة هذه الفلسفة في كل الفصول اللاحقة التي أولت اهتماما خاصا بإدارة العملية السياسية على المستوى المحلي ووضعت لها ميكانيزمات ومؤسسات بيروقراطية متطورة في عناوينها ولكنها لم تُولي طبيعة المرحلة والنسق المجتمعي الراهن أيّ اهتمام، نافية دور القيادة البشرية وقدرتها على التفاعل مع طبيعة مجتمعنا الذي لايزال يعاني من ظاهرة القبلية والجهوية، حيث لا يمكن فضّ المشاكل الناجمة عن تنازع المصالح بين المؤسسات باللجوء إلى المحاكم الإدارية أو الغرف الجهوية للمحاسبات ، وإنما لازال يحتاج إلى سلطة وتأثير القيادة الجهوية والمحلية، حيث يضل دور الفاعل السياسي مؤثرا بل ومطلوبا ضمن مجتمع لا يملك ثقافة المؤسسات ويحتاج إلى فترة من الزمن لتمثل جملة المفاهيم الجديدة، وفي الأثناء لابد للعملية التنموية أن تتقدم دون عراقيل جديدة، ونرى أنه يتوجب حتما تنقيح الفصل الأول بالتنصيص على أن التنمية الجهوية هي أحد أهم أهداف التنظيم اللامركزي وهو ما سيؤثر حتما على فلسفة الصياغة العامة للمجلة.
وقد سجلنا كذلك خلطا واضحا في استعمال مصطلحي «المحلي» و«الجهوي» ضمن مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية ومثال ذلك مضمون الفصلين 28 و 33 من المجلة و كذلك ضمن الجزء المتعلق بشرح الأسباب ومردُ ذلك في رأينا هو الاعتماد على الأدبيات الفرنسية التي اعتمدت مصطلح «المحلي» منذ 1789 ولم يظهر عندهم مصلح الجهة بما يعنيه من مضامين واستتباعات قانونية إلا سنة 1956 ثم تأكد في أواخر القرن العشرين حيث تم بعث مجالس جهوية تحمل اسم الجهة (قانون 5 جويلية لسنة 1972، الفصل عدد1 )، فالمحلي في فرنسا ( البلدية ) هو الوحدة الأساسية التي تأسست على قاعدتها الجمهورية ولم يتم الالتجاء إلى الجهة كمصطلح وأداة مؤسساتية للتنسيق ( فقط) بين البلديات إلا في أواخر القرن العشرين، لذلك سمي المجلس الجهوي عندهم في الأصل "بالمجلس الجهوي للبلديات"إذ لا وجود للجهة كمجال ترابي أو سكاني في فرنسا إلا بشكل هامشي، وبالتالي فإنه لا قيمة لهذا المستوى من التنظيم الإداري في الثقافة الفرنسية التي عرفت التطور الصناعي والاقتصادي والعمراني والثقافي مع مؤسسة البلدية، في حين استقر في وعي المواطن التونسي أن المجلس الجهوي هو قاطرة التنمية وستضل هذه القناعة راسخة في اللاوعي الجمعي إلى حين، وفي الأثناء نحن بحاجة للبحث عن أنجع السبل لتأطير وقيادة الرأي العام الجهوي عبر عملية فرز طبيعية للعناصر الأكثر قدرة على تشخيص الواقع الجهوي والتعبير عنه من خلال العمل والدربة ضمن المجالس الجهوية ، من أجل ضمان تنمية عادلة ومتوازنة بين الجهات ، خاصة في ضل شح الإمكانات المالية للدولة على المدى المتوسط وربما البعيد. ودون الإطالة في الخوض في هذا الباب لأن المجال لا يتسع له، نرى أنه لابد من توضيح مجال المصطلحين ضمن القانون الأساسي للمجلة و الالتزام بالدقة في استعمالهما وعدم القفز على الجهوي نحو المحلي في صياغة الخطاب وإعداد التصورات على مستوى المجلة ، وهو ما سنحاول إبرازه ، دون التشكيك في دستورية المشروع المقترح حيث أن الدستور الحالي يحتمل أكثر من اجتهاد في مجال اللامركزية وهذه المجلة هي واحدة من هذه القراءات ولكنها ليست حجة على أي اجتهاد آخر ما لم يخالف دستور 2014.
تعميم النظام البلدي
المجلس البلدي هو صنف من أصناف الجماعات العمومية المحلية وهو «يمارس الصلاحيات الذاتية التي تكتسي بعدا جهويا بحكم مجال تطبيقها» طبقا للفصل 18 من مشروع مجلة الجماعات العمومية المحلية وتتمتع الجهة بصلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية (الفصل 288) مثل باقي الجماعات المحلية وهو يختص «مبدئيا بتصريف الشؤون البلدية والبت فيها (فصل 322) وهو يتولى «بوصفه مكلفا من طرف الدولة» بتنفيذ القوانين والتراتيب الجاري بها العمل بالبلدية والقيام بكل الوظائف التي يسندها القانون لرئيسه» (الفصل 288) وهو مدعو بمقتضى الفصول 110و 160 و 164 لإعداد المخططات التنموية وأمثلة التهيئة العمرانية وعرضها على أمانة المال الجهوي التي يحق لها طلب توضيحات, ثم يتم تقديمها إلى المصالح المركزية قصد المصادقة عليها وفتح الإعتمادات المخصصة لتنفيذ البرامج، وهو يخضع للسلطة الرقابية لأمانة المال ومؤسسة الوالي بالجهة كما يخضع للسلطة الرقابيّة للمجلس الأعلى للجماعات والهيئة العليا للمالية المحلية والإدارة المركزية.
وقد تم في إطار تنفيذ من جاء بالفصلين 14 من دستور 2014, إصدار الأمر عدد 601 بتاريخ 17 ماي 2016 المتعلق بإحداث بلديات جديدة والأمر عدد 602 بتاريخ 17ماي 2016، المتعلق بتعميم النظام البلدي ،حيث اقتضى هذا الأمر توسيع المجال الترابي للبلديات ليشمل التجمعات السكنية الريفية بالاعتماد على ثلاثة مؤشرات هامة وهي الكثافة الديموغرافية والمسافة الفاصلة بينها وبين مقر البلدية وطبيعة الطبوغرافية الجغرافية للمجال الترابي المعني.
وقد أدى هذا الإجراء إلى الرفع من متوسط نسبة المجال البلدي إلى 75% على مستوي وطني وتمثل الـ:25% المتبقية المناطق الصحراوية والغابية الغير المأهولة بالسكان.
وبينما يُعد الأمر عدد 601 المتعلق بإحداث بلديات جديدة ضروريا بالنظر للكثافة الديموغرافية للتجمعات السكنية المُستهدفة ولغياب الخدمات الجوارية والمرافق العمومية وتَعطّل العملية التنموية بهذه التجمعات السكانية فإن مبدأ تعميم النظام البلدي (طبقا للأمر عدد602) يطرح أكثر من إشكال على مستوى التنفيذ والمتابعة وتحقيق المردودية المُفترضة نظريا، إذ أن جلّ بلديات المُحدثة قبل سنة 2011 قد عجزت على تحسين البنية التحتية ضمن مجالها الترابي, وتجويد المرفق العام بسبب قلة الموارد المالية الذاتية والمُحالة من الدولة وكذلك بسبب ضعف الموارد البشرية وعدم تطوير النظام التشريعي المالي والإداري لصالح الجماعات المحلية لذلك نتساءل كيف لهذه البلديات أن تتحمل مسؤولية تجمعات سكانية جديدة يفصلها عن مركز البلدية متوسط مسافة 15كم و كذلك أودية و هضاب و جبال في مواقع متعددة،إذ يتحتم على هذه البلديات تقديم الخدمات الجوارية من تعبيد وترصيف وتنوير عمومي وإنشاء مناطق خضراء ورفع الفضلات,إضافة إلى العناية بالمرافق العمومية الموجودة والعمل على توفير المرافق والخدمات الإدارية الغير متوفرة (أنظر الفصول عدد: 13و16و17و232 من مشروع مجلة الجماعات المحلية).
ولا نرى كيف يمكن للبلديات الحالية بصفتها الجديدة أن تُشرف على المشاريع القطاعية الجهوية( تصّورا وتنفيذا و متابعة) في ظل غياب العنصر البشري وعدم توفر الخبرة الكافية للمصالح الفنية بالبلديات للتعامل مع هذا الصنف من المشاريع (أو على الأقل لجزء هام منه) والذي كانت تشرف على إنجازه مصالح المجلس الجهوي و راكمت في شأنه خبرات بشرية هامة لا يمكن في اللحظة الراهنة الاستغناء عنها رغم النقائص المسجلة في شأنها (أنضر الفصل عدد 16 من المجلة).
وهل يمكن لهذه البلديات أن تصمد في وجه مظاهر التوتر الاجتماعي الذي سَينتج حتما بسبب مُطالبة سكان التجمعات السكانية الريفية بحقهم في الخدمات البلدية كما ينص عليه الفصل 232 من المجلة,إذ في انتظار أن تتعزز الموارد الذاتية للجماعات المحلية كما ينص على ذلك الفصل عدد 8 و عدد 124 من مشروع المجلة (و هو أمر شبه مستحيل بالنسبة للبلديات ذات الطابع لفلاحي) وكذلك تطوير الموارد المُحالة من الدولة (أنظر فصل 101 و 139 من المجلة) لإنجاز المرافق العمومية والبني التحتية, فإن طبيعة المرحلة ستفرض على البلديات صراعا حادا مع سكانها بحكم عجزها المتوقع على تلبية حاجاتهم الشرعية بحكم النص القانوني.
وإننا وإن كنا نؤمن بهذا الحق, وأكثر من ذلك، إذ نرى أنه لا تنمية جهوية بدون تطوير الفضاء الريفي, فإن أسلوب معالجته سيخلق تعقيدات إدارية جديدة, ستزيد من تأزم الوضع التنموي في الجهات وتعطيل نسق الإصلاح المطلوب, إذ سيتشتت جهد الإدارات والمصالح الفنية، على قلة مواردها البشرية، في معالجة كل الملفات التنموية والاجتماعية وغيرها على مستوى محلي بعد أن كانت في الجانب الأهم منها تعالج على مستوى جهوي, وهو ما سيتسيب في إهدار الوقت والطاقة و ربما استحالة التوفيق (بشريا) في الاستجابة إلى طلبات البلديات وهو ما يعني تعطيل نسق الانجاز و إرهاق الإدارة الجهوية و خلق حالة من التوتر الإداري الدائمة و انقطاع التواصل بين مختلف المتدخلين.
يتبع

بقلم: د. شكري التيساوي
القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>