الحجاج بن يوسف:ما تبقى من الحجاج
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>
الحجاج بن يوسف:ما تبقى من الحجاج
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 جوان 2017

كان منتظرا ألاّ يموت الحجاج بن يوسف إلا موتة غريبة عنيفة كحياته الغريبة العنيفة.
يقول ابن خلِّكان(1) «كان مرضُه بالأُكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحما وعلقة في خيط وسرّحه في حلقه وتركه ساعة، ثم أخرجه وقد علق به دود كثير، وسلّط الله عليه الزمهرير (شدّة البرد)، فكانت الكوانين تُجعل حوله مملوءة نارا وتُدنى منه حتى تحرق ثيابه وهو لا يحسّ بها، فشكا ما يجده إلى الحسن البصري فقال له: ألم أكن نهيتُك أن تتعرّض للصالحين، (الحسن يقصد هنا الصحابي سعيد بن جُبير، الذي قتله الحجاج)، فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني ولكني أسألك أن يعجّل قبض روحي، ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديدا، وأقام الحجاج على هذه العلّة خمسة عشر ثمّ يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان في مدينته واسط وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل ابن ثلاث وخمسين (2).
ويبدو أن الحجاج كان يستشعر في مرضه موقف الناس منه، فكان ينشد في مرض موته هذين البيتين كآخر تحد له لتعاليق الناس وتشفيهم:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا
أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويْحَهُم
ما ظنّهم بعظيم العفو غفار
وكتب الحجاج إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك كتابا يخبره فيه بمرضه، وكتب في آخره:
إذا ما لقيتُ الله عني راضيا
فإن سرور النفس فيما هنالك
فحسبي حياة الله من كل ميّت
وحسبي ثواب الله من كل هالك
لقد ذاقَ هذا الموتَ من كان قبلنا
ونحن نذوق الموت من بعد ذلك
ويقول الذهبي(3) إنه لما توفي الحجاج قال خادم الوليد: إنّي لأوضّئ الوليد... يوما للغداة، فمدّ يده فجعلتُ أصبّ عليه الماء وهو ساه، والماء يسيل، فلا يستطيع أن يتكلّم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ فقلت: لا، قال: ويحك مات الحجاج!
ومن الأشياء الكثيرة الأخرى التي قيلت في موت الحجاج ما أورده ابن أبي الدنيا أنه لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مُطعِمَ الطعام، وميّتمَ الأيتام، ومُرْمِلَ النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات!
وجاء خبر موت الحجاج إلى الحسن البصري فسجد شاكرا وقال اللّهم إنك قد أمتَّه فأمِت سُنته.
دفن الحجاج في واسط وأجري الماء على قبره فاندثر وكان ذلك حتى لا تُخرج جثته وينكّل بها.
مات الحجاج فماذا بقي من الحجاج؟
خلّف الحجاج مآثر جمّة من إخماد الفتنِ وتوحيد الدولة وتوسيع نطاقها بالفتوحات التي لم تبلغ المستوى الذي بلغته زمن إمارته للعراق لمدة تجاوزت العشرين سنة. ملأ الحجاج كتب التراث العربي بخطبه العصماء وأسهم في إخراج اللغة العربية من بداوة المدح والهجاء إلى حضارة الفعل السياسي. أصلح الزراعة وسكّ الدينار العربي ونقّط القرآن، ولم يعرف التاريخ الإسلامي ولاية أوسع وأقوى من ولاية الحجاج.
ولكن...
ما بقي من الحجاج صورة: إنها صورة الطاغية التي ظلّت ماثلة لاصقة عبر الأزمان وإلى الأبد.
ذلك أن أجمل وأغلى شيء في وجود الإنسان الحرية وما يستتبع ذلك من تسامح واحترام للاختلاف وجنوح للحوار.
لم يحترم الحجاج ذلك ووضع خدمة الخلافة الأموية فوق كل اعتبار وخصوصا فوق اعتبار حرمة الكعبة ومحاصرتها وضربها بالمنجنيق، ولعلّ قتل ابن الزبير وقطع رأسه في جوف الكعبة وصلبه، كانت قمة ما وصلت إليه دولة الأمويين من عنف واستخفاف بالمقدسات في سبيل بسط نفوذهم وفرض سلطانهم.
ومثّل الحجّاج في تحقيق هذا الهدف الذراع القامع واللسان النافذ فقتل مئات الآلاف وسجن مثلهم وكان يقتل على مجرد التهمة وأحيانا على الظن.
قد لا يكون أمراء بني أمية راضين كلهم على أفعال الحجاج لكنه بقي أميرا على العراق لمدة فاقت العشرين سنة، وهو ما يدلّ على أن سياسة القمع والعنف والتقتيل وهتك الحرمات كانت سياسة ممنهجة لتأسيس دولة القهر، دولة الخلافة الوراثية التي يقول عنها الشيخ علي عبد الرازق(4) إنها «كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شرّ وفساد».
ماذا تساوي الإنجازات، وإن عَظُمَت إذا غابت الحرية؟
لا شيء، وذلك هو الدرس الأهم من استعراض حياة الحجاج بن يوسف الذي لو كان حيا لمثُل أمام المحكمة الجنائية الدولية.
(1) ابن خِلّكان: شذرات الذهب
(2) الطبري: تاريخ الطبري الجزء السادس
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء
(4) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم

بقلم : عبد الجليل المسعودي
نفحات عطرة من القرآن الكريم
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
﴿ولَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ...
المزيد >>
من القصص القرآني :زكريـا عليـه السـلام
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
ينتهي نسب النبي زكريا عليه السلام إلى يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. وكان عهد النبي زكريا قريبا بعهد النبي...
المزيد >>
نفحــات عطـــــرة من القرآن الكــــريم
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
﴿مَثَل الَّذِينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتا وَإِنَّ...
المزيد >>
دعاء من القرآن الكريم
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
«رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم وتب علينا انك انت التواب الرحيم» البقرة (127)
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الحجاج بن يوسف:ما تبقى من الحجاج
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 جوان 2017

كان منتظرا ألاّ يموت الحجاج بن يوسف إلا موتة غريبة عنيفة كحياته الغريبة العنيفة.
يقول ابن خلِّكان(1) «كان مرضُه بالأُكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحما وعلقة في خيط وسرّحه في حلقه وتركه ساعة، ثم أخرجه وقد علق به دود كثير، وسلّط الله عليه الزمهرير (شدّة البرد)، فكانت الكوانين تُجعل حوله مملوءة نارا وتُدنى منه حتى تحرق ثيابه وهو لا يحسّ بها، فشكا ما يجده إلى الحسن البصري فقال له: ألم أكن نهيتُك أن تتعرّض للصالحين، (الحسن يقصد هنا الصحابي سعيد بن جُبير، الذي قتله الحجاج)، فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني ولكني أسألك أن يعجّل قبض روحي، ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديدا، وأقام الحجاج على هذه العلّة خمسة عشر ثمّ يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان في مدينته واسط وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل ابن ثلاث وخمسين (2).
ويبدو أن الحجاج كان يستشعر في مرضه موقف الناس منه، فكان ينشد في مرض موته هذين البيتين كآخر تحد له لتعاليق الناس وتشفيهم:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا
أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويْحَهُم
ما ظنّهم بعظيم العفو غفار
وكتب الحجاج إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك كتابا يخبره فيه بمرضه، وكتب في آخره:
إذا ما لقيتُ الله عني راضيا
فإن سرور النفس فيما هنالك
فحسبي حياة الله من كل ميّت
وحسبي ثواب الله من كل هالك
لقد ذاقَ هذا الموتَ من كان قبلنا
ونحن نذوق الموت من بعد ذلك
ويقول الذهبي(3) إنه لما توفي الحجاج قال خادم الوليد: إنّي لأوضّئ الوليد... يوما للغداة، فمدّ يده فجعلتُ أصبّ عليه الماء وهو ساه، والماء يسيل، فلا يستطيع أن يتكلّم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ فقلت: لا، قال: ويحك مات الحجاج!
ومن الأشياء الكثيرة الأخرى التي قيلت في موت الحجاج ما أورده ابن أبي الدنيا أنه لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مُطعِمَ الطعام، وميّتمَ الأيتام، ومُرْمِلَ النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات!
وجاء خبر موت الحجاج إلى الحسن البصري فسجد شاكرا وقال اللّهم إنك قد أمتَّه فأمِت سُنته.
دفن الحجاج في واسط وأجري الماء على قبره فاندثر وكان ذلك حتى لا تُخرج جثته وينكّل بها.
مات الحجاج فماذا بقي من الحجاج؟
خلّف الحجاج مآثر جمّة من إخماد الفتنِ وتوحيد الدولة وتوسيع نطاقها بالفتوحات التي لم تبلغ المستوى الذي بلغته زمن إمارته للعراق لمدة تجاوزت العشرين سنة. ملأ الحجاج كتب التراث العربي بخطبه العصماء وأسهم في إخراج اللغة العربية من بداوة المدح والهجاء إلى حضارة الفعل السياسي. أصلح الزراعة وسكّ الدينار العربي ونقّط القرآن، ولم يعرف التاريخ الإسلامي ولاية أوسع وأقوى من ولاية الحجاج.
ولكن...
ما بقي من الحجاج صورة: إنها صورة الطاغية التي ظلّت ماثلة لاصقة عبر الأزمان وإلى الأبد.
ذلك أن أجمل وأغلى شيء في وجود الإنسان الحرية وما يستتبع ذلك من تسامح واحترام للاختلاف وجنوح للحوار.
لم يحترم الحجاج ذلك ووضع خدمة الخلافة الأموية فوق كل اعتبار وخصوصا فوق اعتبار حرمة الكعبة ومحاصرتها وضربها بالمنجنيق، ولعلّ قتل ابن الزبير وقطع رأسه في جوف الكعبة وصلبه، كانت قمة ما وصلت إليه دولة الأمويين من عنف واستخفاف بالمقدسات في سبيل بسط نفوذهم وفرض سلطانهم.
ومثّل الحجّاج في تحقيق هذا الهدف الذراع القامع واللسان النافذ فقتل مئات الآلاف وسجن مثلهم وكان يقتل على مجرد التهمة وأحيانا على الظن.
قد لا يكون أمراء بني أمية راضين كلهم على أفعال الحجاج لكنه بقي أميرا على العراق لمدة فاقت العشرين سنة، وهو ما يدلّ على أن سياسة القمع والعنف والتقتيل وهتك الحرمات كانت سياسة ممنهجة لتأسيس دولة القهر، دولة الخلافة الوراثية التي يقول عنها الشيخ علي عبد الرازق(4) إنها «كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شرّ وفساد».
ماذا تساوي الإنجازات، وإن عَظُمَت إذا غابت الحرية؟
لا شيء، وذلك هو الدرس الأهم من استعراض حياة الحجاج بن يوسف الذي لو كان حيا لمثُل أمام المحكمة الجنائية الدولية.
(1) ابن خِلّكان: شذرات الذهب
(2) الطبري: تاريخ الطبري الجزء السادس
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء
(4) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم

بقلم : عبد الجليل المسعودي
نفحات عطرة من القرآن الكريم
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
﴿ولَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ...
المزيد >>
من القصص القرآني :زكريـا عليـه السـلام
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
ينتهي نسب النبي زكريا عليه السلام إلى يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. وكان عهد النبي زكريا قريبا بعهد النبي...
المزيد >>
نفحــات عطـــــرة من القرآن الكــــريم
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
﴿مَثَل الَّذِينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتا وَإِنَّ...
المزيد >>
دعاء من القرآن الكريم
30 جوان 2017 السّاعة 21:00
«رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم وتب علينا انك انت التواب الرحيم» البقرة (127)
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>